كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 24)
وَالْبَغَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلَى إِنْكَارِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ السِّحْرِ وَأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَخْيِيلٌ مِنَ السَّاحِرِ عَلَى مَنْ يَرَاهُ، وَإِيهَامٌ لَهُ بِمَا هُوَ خِلاَفُ الْوَاقِعِ، وَأَنَّ السِّحْرَ لاَ يَضُرُّ إِلاَّ أَنْ يَسْتَعْمِل السَّاحِرُ سُمًّا أَوْ دُخَانًا يَصِل إِلَى بَدَنِ الْمَسْحُورِ فَيُؤْذِيهِ، وَنُقِل مِثْل هَذَا عَنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَنَّ السَّاحِرَ لاَ يَسْتَطِيعُ بِسِحْرِهِ قَلْبَ حَقَائِقِ الأَْشْيَاءِ، فَلاَ يُمْكِنُهُ قَلْبُ الْعَصَا حَيَّةً، وَلاَ قَلْبُ الإِْنْسَانِ حِمَارًا.
قَال الْجَصَّاصُ: السِّحْرُ مَتَى أُطْلِقَ فَهُوَ اسْمٌ لِكُل أَمْرٍ مُمَوَّهٍ بَاطِلٍ لاَ حَقِيقَةَ لَهُ وَلاَ ثَبَاتَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} (1) يَعْنِي مَوَّهُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ تَسْعَى، وَقَال تَعَالَى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّل إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} (2) فَأَخْبَرَ أَنَّ مَا ظَنُّوهُ سَعْيًا مِنْهَا لَمْ يَكُنْ سَعْيًا وَإِنَّمَا كَانَ تَخْيِيلاً، وَقَدْ قِيل: إِنَّهَا كَانَتْ عِصِيًّا مُجَوَّفَةً مَمْلُوءَةً زِئْبَقًا، وَكَذَلِكَ الْحِبَال كَانَتْ مَعْمُولَةً مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّةً زِئْبَقًا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُمَوَّهًا عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ (3) .
__________
(1) سورة الأعراف / 116.
(2) سورة الشعراء / 66.
(3) أحكام القرآن للجصاص عند الآية (102) من سورة البقرة 1 / 43 وما بعدها، وكشاف اصطلاحات الفنون 3 / 652، والجمل على شرح المنهج 5 / 100، وروضة الطالبين 9 / 128، 346.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْل السُّنَّةِ إِلَى أَنَّ السِّحْرَ قِسْمَانِ:
10 - قِسْمٌ هُوَ حِيَلٌ وَمُخْرَقَةٌ وَتَهْوِيلٌ وَشَعْوَذَةٌ، وَإِيهَامٌ لَيْسَ لَهُ حَقَائِقُ، أَوْ لَهُ حَقَائِقُ لَكِنْ لَطُفَ مَأْخَذُهَا، وَلَوْ كُشِفَ أَمْرُهَا لَعُلِمَ أَنَّهَا أَفْعَالٌ مُعْتَادَةٌ يُمْكِنُ لِمَنْ عَرَفَ وَجْهَهَا أَنْ يَفْعَل مِثْلَهَا، وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا يَنْبَنِي عَلَى مَعْرِفَةِ خَوَاصِّ الْمَوَادِّ وَالْحِيَل الْهَنْدَسِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلاً فِي مُسَمَّى السِّحْرِ، كَمَا قَال تَعَالَى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} (1) وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ خَفَاءُ وَجْهِهِ ضَعِيفًا فَلاَ يُسَمَّى سِحْرًا اصْطِلاَحًا، وَقَدْ يُسَمَّى سِحْرًا لُغَةً، كَمَا قَالُوا: (سَحَرْتُ الصَّبِيَّ) بِمَعْنَى خَدَعْتُهُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَهُ حَقِيقَةٌ وَوُجُودٌ وَتَأْثِيرٌ فِي الأَْبْدَانِ. فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى إِثْبَاتِ هَذَا الْقِسْمِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (2) .
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِتَأْثِيرِ السِّحْرِ وَإِحْدَاثِهِ الْمَرَضَ وَالضَّرَرَ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ:
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ
__________
(1) سورة الأعراف / 116.
(2) الجمل على شرح المنهج 5 / 100، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج 7 / 379، وفتح القدير 4 / 408، والفروق للقرافي 4 / 149، 150، الفرق (242) ، وروضة الطالبين 9 / 346، والمغني 8 / 150.
الصفحة 262