كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 24)
وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الْحَدِيثِ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحِرْزِ لإِِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (1) .
وَالْحِرْزُ نَوْعَانِ:
1 - حِرْزٌ بِنَفْسِهِ، وَيُسَمَّى حِرْزًا بِالْمَكَانِ: وَهُوَ كُل بُقْعَةٍ مُعَدَّةٍ لِلإِْحْرَازِ، يَمْنَعُ الدُّخُول فِيهَا إِلاَّ بِإِذْنٍ، كَالدَّارِ وَالْبَيْتِ.
2 - وَحِرْزٌ بِغَيْرِهِ، وَيُسَمَّى حِرْزًا بِالْحَافِظِ: وَهُوَ كُل مَكَانٍ غَيْرُ مُعَدٍّ لِلإِْحْرَازِ، لاَ يَمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ دُخُولِهِ، كَالْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ (2) . وَلَمَّا كَانَ ضَابِطُ الْحِرْزِ وَتَحْدِيدُ مَفْهُومِهِ يَرْجِعُ إِلَى الْعُرْفِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَنَوْعِ الْمَال الْمُرَادِ حِفْظُهُ، وَبِاخْتِلاَفِ حَال السُّلْطَانِ مِنَ الْعَدْل أَوِ الْجَوْرِ، وَمِنَ الْقُوَّةِ أَوِ الضَّعْفِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الشُّرُوطِ الْوَاجِبِ تَوَافُرُهَا لِيَكُونَ الْحِرْزُ تَامًّا، وَبِالتَّالِي يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنْهُ.
__________
(1) سورة المائدة / 38.
(2) بدائع الصنائع 7 / 73، الخرشي 8 / 117، القليوبي وعميرة 4 / 190 وما بعدها، المغني 10 / 251، وما بعدها.
38 - أ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحِرْزَ نَفْسَهُ: كُل بُقْعَةٍ مُعَدَّةٍ لِلإِْحْرَازِ بِمَنْعِ دُخُولِهَا إِلاَّ بِإِذْنٍ، كَالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْخِيَمِ وَالْخَزَائِنِ وَالصَّنَادِيقِ وَالْجُرْنِ وَحَظَائِرِ الْمَاشِيَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا أَوْ مَفْتُوحًا، أَوْ لاَ بَابَ لَهَا؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْبْنِيَةَ قُصِدَ بِهَا الإِْحْرَازُ كَيْفَمَا كَانَ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الْحِرْزِ بِنَفْسِهِ عِنْدَهُمْ وُجُودُ الْحَافِظِ، وَلَوْ وُجِدَ فَلاَ عِبْرَةَ بِوُجُودِهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ الْحِرْزَ بِنَفْسِهِ إِذَا اخْتَل، بِأَنْ أَذِنَ لِلسَّارِقِ فِي دُخُولِهِ، فَلاَ يُقَامُ حَدُّ السَّرِقَةِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ حَافِظٌ. وَعَلَى هَذَا: لاَ يُقَامُ حَدُّ السَّرِقَةِ عَلَى الضَّيْفِ، لأَِنَّ الإِْذْنَ لَهُ بِالدُّخُول أَحْدَثَ خَلَلاً فِي الْحِرْزِ، وَلاَ عَلَى الْخَادِمِ؛ لأَِنَّ فِعْلَهُ يُوصَفُ بِالْخِيَانَةِ، وَلَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ، وَلاَ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنَ الْحَوَانِيتِ فِي فَتَرَاتِ الإِْذْنِ بِالدُّخُول، بِخِلاَفِ مَا لَوْ سَرَقَ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ.
وَالسَّرِقَةُ مِنَ الْحِرْزِ بِنَفْسِهِ لاَ تَشْمَل سَرِقَةَ الْحِرْزِ نَفْسِهِ؛ لأَِنَّ السَّرِقَةَ تَقْتَضِي الإِْخْرَاجَ مِنَ الْحِرْزِ، وَنَفْسُ الْحِرْزِ لَيْسَ فِي الْحِرْزِ، فَلاَ إِخْرَاجَ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: لَوْ سَرَقَ بَابَ الدَّارِ، أَوْ حَائِطَ الْحَانُوتِ، أَوِ الْخَيْمَةَ الْمَضْرُوبَةَ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ سَرَقَ نَفْسَ الْحِرْزِ، وَلَمْ يَسْرِقْ مِنَ الْحِرْزِ.
أَمَّا الْحِرْزُ بِغَيْرِهِ: فَهُوَ كُل مَكَانٍ غَيْرُ مُعَدٍّ
الصفحة 318