كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 24)

وَيَأْخُذُ الشَّيْءَ خُفْيَةً وَلَكِنَّهُ يُتْلِفُهُ وَهُوَ دَاخِل الْحِرْزِ؛ لأَِنَّهُ إِنْ أَتْلَفَ مَا يَفْسُدُ بِالإِْتْلاَفِ كَأَنْ أَكَل الطَّعَامَ، أَوْ أَحْرَقَ الْمَتَاعَ، أَوْ مَزَّقَ الثَّوْبَ، أَوْ كَسَرَ الآْنِيَةَ، فَلاَ يُعَدُّ سَارِقًا، بَل مُتْلِفًا، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَالتَّعْزِيرُ. أَمَّا إِنْ أَتْلَفَ بَعْضَهُ وَأَخْرَجَ الْبَعْضَ الآْخَرَ، وَكَانَتْ قِيمَةُ مَا أَخْرَجَهُ تُسَاوِي نِصَابًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ سَارِقًا، لِتَحَقُّقِ تَمَامِ الأَْخْذِ بِالْهَتْكِ وَالإِْخْرَاجِ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو يُوسُفَ؛ لأَِنَّ السَّارِقَ إِذَا أَتْلَفَ الْبَعْضَ يَصِيرُ ضَامِنًا، وَالْمَضْمُونَاتُ تُمْلَكُ بِالضَّمَانِ، فَيَكُونُ سَبَبُ الْمِلْكِ قَدِ انْعَقَدَ لَهُ قَبْل الإِْخْرَاجِ، وَلاَ يُقْطَعُ أَحَدٌ فِي مَال نَفْسِهِ. وَإِنْ كَانَ مَا أَتْلَفَهُ - وَهُوَ دَاخِل الْحِرْزِ - لاَ يَفْسُدُ بِالإِْتْلاَفِ، كَأَنْ يَبْتَلِعَ جَوْهَرَةً أَوْ دِينَارًا فَإِنَّهُ لاَ يُعَدُّ سَارِقًا أَيْضًا، حَتَّى لَوْ خَرَجَ بِمَا ابْتَلَعَهُ؛ لأَِنَّ الاِبْتِلاَعَ يُعْتَبَرُ اسْتِهْلاَكًا لِلشَّيْءِ، فَهُوَ مِنْ قَبِيل الإِْتْلاَفِ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ (1) .
أَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْمَسْرُوقِ مِنْ حِرْزِهِ وَمِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ يَسْتَتْبِعُ حَتْمًا إِدْخَالَهُ فِي حِيَازَةِ السَّارِقِ إِدْخَالاً فِعْلِيًّا أَوْ حُكْمِيًّا. وَعَلَى ذَلِكَ: فَلَوْ دَخَل السَّارِقُ الْحِرْزَ، وَأَخَذَ الشَّيْءَ خُفْيَةً، وَرَمَى بِهِ خَارِجَ الْحِرْزِ، فَإِنَّ الْحَدَّ يُقَامُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ حِينَ أَخْرَجَ الشَّيْءَ مِنْ
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 70، 71 - 84، فتح القدير 4 / 264، المبسوط 9 / 164، حاشية ابن عابدين 3 / 199.
حِرْزِهِ وَمِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، يَكُونُ أَدْخَلَهُ حُكْمًا فِي حِيَازَةِ نَفْسِهِ، فَإِذَا خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَخَذَهُ، فَإِنَّ وَضْعَ الْيَدِ الْفِعْلِيِّ عَلَى الْمَسْرُوقِ يَنْضَمُّ إِلَى الْحِيَازَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُوجِبُ الْحَدَّ بِمُفْرَدِهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْحِرْزِ فَوَجَدَ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ أَخَذَ الشَّيْءَ الْمَسْرُوقَ، لأَِنَّ هَذَا الشَّيْءَ دَخَل فِي حِيَازَةِ السَّارِقِ حُكْمًا، وَلَوْ لَمْ يَضَعْ يَدَهُ عَلَيْهِ فِعْلاً، وَصَاحِبُ الْيَدِ الْمُعْتَرَضَةِ لاَ يُغَيِّرُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ - عِنْدَهُمْ - لأَِنَّ الْيَدَ الْمُعْتَرِضَةَ لاَ تُجَوِّزُ الْمَسْرُوقَ إِلاَّ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي حِيَازَةِ السَّارِقِ.
وَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ أَيْضًا - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - إِذَا رَمَى الشَّيْءَ الْمَسْرُوقَ خَارِجَ الْحِرْزِ، ثُمَّ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لأَِخْذِهِ، بِأَنْ تَمَّ ضَبْطُهُ دَاخِل الْحِرْزِ أَوْ مُنِعَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ دَخَل فِي حِيَازَتِهِ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ مِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَالْحِيَازَةُ الْحُكْمِيَّةُ تَكْفِي لاِعْتِبَارِ الأَْخْذِ تَامًّا كَالْحِيَازَةِ الْفِعْلِيَّةِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
وَلَئِنْ كَانَ مَالِكٌ تَرَدَّدَ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ إِذَا ضُبِطَ فِي الْحِرْزِ، بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْمَسْرُوقَ وَقَبْل أَنْ يَخْرُجَ لأَِخْذِهِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ كَمَا قَال ابْنُ عَرَفَةَ (1) : وَالْمَدَارُ فِي الْقَطْعِ عَلَى
__________
(1) مواهب الجليل 6 / 308، المهذب 2 / 297، المغني والشرح الكبير 10 / 259، شرح الزرقاني 8 / 98، أسنى المطالب 4 / 138، 147، حاشية الدسوقي 4 / 338.

الصفحة 327