كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 24)

الإِْقْرَارِ. وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ بِصِحَّةِ إِقْرَارِ السَّارِقِ مَعَ الإِْكْرَاهِ لأَِنَّ السُّرَّاقَ قَدْ غَدَوْا لاَ يُقِرُّونَ طَائِعِينَ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُعْمَل بِإِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ مَعَ الإِْكْرَاهِ إِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مِنْ أَهْل التُّهَمِ.
وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ بِالسَّرِقَةِ نَاطِقًا، وَلِهَذَا فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْتَدُّونَ بِإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ، وَلَوْ كَانَتْ مُفْهِمَةً؛ لاِحْتِمَال إِشَارَتِهِ الإِْقْرَارَ وَغَيْرَهُ، وَهَذَا يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ. وَيَرَى الْجُمْهُورُ صِحَّةَ إِقْرَارِهِ، إِنْ كَانَتْ إِشَارَتُهُ مُفْهِمَةً قَبْل هَذَا الإِْقْرَارِ (1) .
وَلاَ يَكُونُ الإِْقْرَارُ كَافِيًا لإِِقَامَةِ الْحَدِّ، إِلاَّ إِذَا كَانَ صَرِيحًا وَتَبَيَّنَ الْقَاضِي مِنْهُ تَوَافُرَ أَرْكَانِ السَّرِقَةِ، بِحَيْثُ لاَ تَبْقَى مَعَهُ أَيُّ شُبْهَةٍ (2) .
وَاشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَصْدُرَ الإِْقْرَارُ عِنْدَ مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ إِقَامَةِ الْحَدِّ، فَلاَ يُعْتَدُّ بِالإِْقْرَارِ الصَّادِرِ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلاَ بِالإِْقْرَارِ قَبْل الدَّعْوَى (3) .
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 49، فتح القدير 5 / 218، المبسوط 9 / 184، 185، مواهب الجليل 5 / 216، القليوبي وعميرة 4 / 196، نيل المآرب 2 / 280، الدسوقي 4 / 345، المغني 8 / 195، 196.
(2) الفتاوى الهندية 2 / 171، شرح الزرقاني 8 / 97، أسنى المطالب 4 / 150، كشاف القناع 6 / 117.
(3) ابن عابدين 3 / 196، بدائع الصنائع 6 / 277.
57 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَدِ مَرَّاتِ الإِْقْرَارِ الَّتِي تُوجِبُ إِقَامَةَ حَدِّ السَّرِقَةِ: فَالْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، يَكْتَفُونَ بِإِقْرَارِ السَّارِقِ مَرَّةً وَاحِدَةً، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ سَارِقَ خَمِيصَةِ صَفْوَانَ وَسَارِقَ الْمِجَنِّ (1) ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ أَحَدَهُمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الإِْقْرَارُ؛ وَلأَِنَّ الإِْقْرَارَ بِالْحُقُوقِ يَكْتَفِي بِإِيرَادِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ وَلأَِنَّ الإِْقْرَارَ إِخْبَارٌ تَرَجَّحَ فِيهِ جَانِبُ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ، فَلَنْ يَزِيدَهُ التَّكْرَارُ رُجْحَانًا. أَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ، وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَالْحَنَابِلَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ صُدُورَ الإِْقْرَارِ مَرَّتَيْنِ، فِي مَجْلِسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنْ أَقَرَّ السَّارِقُ مَرَّةً وَاحِدَةً، لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ. لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَخَالُكَ سَرَقْتَ فَقَال: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، وَلَمْ يَقْطَعْهُ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ تَكَرَّرَ إِقْرَارُهُ، فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ يَجِبُ بِالإِْقْرَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمَا أَخَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
58 - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْخُصُومَةِ مَعَ
__________
(1) حديث: " لأن النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارق خميصة صفوان ". أخرجه أبو داود (4 / 553 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والنسائي (8 / 69 - ط دار البشائر) والحاكم (4 / 380 ط دار المعارف العثمانية) وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

الصفحة 333