كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 24)
يَدِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1) . وَهُوَ الْحَدُّ الَّذِي أَقَامَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ سَرَقَ فِي عَهْدِهِ، كَمَا تَوَاتَرَتِ الأَْخْبَارُ بِذَلِكَ (2) . وَجَرَى عَلَيْهِ عَمَل الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ دُونَ اعْتِرَاضٍ عَلَيْهِمْ (3) . وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُْمَّةُ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِمَحَل الْقَطْعِ، وَمِقْدَارِهِ، وَكَيْفِيَّتِهِ، وَتَكَرُّرِهِ، مَعَ تَكَرُّرِ السَّرِقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
1 - مَحَل الْقَطْعِ:
63 - مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ - عِنْدَ الْفُقَهَاءِ - وُجُوبُ قَطْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى، إِذَا ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ الأُْولَى. لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ الْيَدَ الْيُمْنَى، وَكَذَلِكَ فَعَل الأَْئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا (4) . وَهِيَ قِرَاءَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنْهُ، وَلَمْ يُجْمَعْ عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ لِمُخَالَفَتِهَا لِلْمُصْحَفِ الإِْمَامِ، فَكَانَتْ خَبَرًا
__________
(1) سورة المائدة / 38.
(2) أول سارق قطع في الإسلام: الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف " تفسير القرطبي 6 / 160 " وقطع المخزومية التي شفع فيها أسامة بن زيد فأغضب بشفاعته النبي صلى الله عليه وسلم " البخاري ومسلم " وقطع سارق رداء صفوان بن أمية " رواه الخمسة إلا الترمذي ".
(3) طرح التثريب بشرح التقريب 8 / 23.
(4) سورة المائدة / 38.
مَشْهُورًا، فَيُقَيِّدُ إِطْلاَقَ النَّصِّ (1) . وَلَوْ كَانَ الإِْطْلاَقُ مُرَادًا، وَالاِمْتِثَال لِلأَْمْرِ فِي الآْيَةِ يَحْصُل بِقَطْعِ الْيَمِينِ أَوِ الشِّمَال، لَمَا قَطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ الْيَسَارَ عَلَى عَادَتِهِ مِنْ طَلَبِ الأَْيْسَرِ لَهُمْ مَا أَمْكَنَ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي: أَنَّهُ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا (2) .
فَإِذَا كَانَتْ يَدُ السَّارِقِ الْيُمْنَى غَيْرَ صَحِيحَةٍ، بِأَنْ كَانَتْ شَلاَّءَ أَوْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصَابِعِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَحَل الْقَطْعِ.
فَالْحَنَفِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ الْقَطْعَ يَتَعَلَّقُ أَوَّلاً بِالْيَدِ الْيُمْنَى، لِعُمُومِ آيَةِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّحِيحَةِ وَغَيْرِهَا. لأَِنَّهُ إِذَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالسَّلِيمَةِ فَإِنَّهَا تُقْطَعُ، فَلأََنْ تُقْطَعَ الْمَعِيبَةُ مِنْ بَابِ أَوْلَى (3) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ قَطْعَ الْمَعِيبَةِ لاَ يُجْزِئُ؛ لأَِنَّ مَقْصُودَ الْحَدِّ إِزَالَةُ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 86، فتح القدير 4 / 247، الخرشي على خليل 8 / 92، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 332، المهذب 2 / 300، مغني المحتاج 4 / 177، نهاية المحتاج 7 / 443، كشاف القناع 6 / 118، المغني والشرح الكبير 10 / 264، الجامع لأحكام القرآن 6 / 160، تفسير الطبري 6 / 228.
(2) حديث: " ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ". أخرجه البخاري (الفتح 12 / 86 - ط السلفية) ومسلم (4 / 1813 - ط الحلبي) .
(3) بدائع الصنائع 7 / 87، حاشية ابن عابدين 3 / 285.
الصفحة 336