كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 25)

يُرْجَى نَجَاتُهُ مِنْهُمْ لَمْ يَخْتَصَّ قَاتِلُهُ بِسَلَبِهِ لأَِنَّهُ لَمْ يُغَرِّرْ بِنَفْسِهِ، وَلأَِنَّ شَرَّ الْكَافِرِ زَال بِالْوُقُوعِ بَيْنَهُمْ. وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لَوْ حَمَل جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَقَتَلُوهُ فَسَلَبُهُ لَيْسَ لَهُمْ. بَل يَكُونُ غَنِيمَةً؛ لأَِنَّهُمْ لَمْ يُغَرِّرُوا بِأَنْفُسِهِمْ فِي قَتْلِهِ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَكَ فِي قَتْلِهِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَبْلَغَ فِي قَتْلِهِ مِنَ الآْخَرِ؛ لأَِنَّ السَّلَبَ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالْمُخَاطَرَةِ فِي قَتْلِهِ، وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ بِقَتْل الاِثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلَمْ يُسْتَحَقَّ بِهِ السَّلَبُ. قَالُوا: وَلأَِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَكَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي سَلَبٍ، وَلأَِنَّ أَبَا جَهْلٍ ضَرَبَهُ مُعَاذُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَاهُ فَقَال: كِلاَكُمَا قَتَلَهُ، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ الْجَمُوحِ (1) .

8 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَقْتُول الَّذِي يَأْخُذُ قَاتِلُهُ سَلَبَهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ الَّذِينَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ شَرْعًا، أَمَّا إِذَا قَتَل امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ رَاهِبًا مُنْعَزِلاً فِي صَوْمَعَتِهِ أَوْ نَحْوَهُمْ مِمَّنْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهِمْ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ قَاتِلُهُ السَّلَبَ مَا لَمْ يَشْتَرِكْ فِي الْقِتَال. فَإِنِ اشْتَرَكَ أَحَدٌ مِنْ
__________
(1) سبق تخريجه ف5.
هَؤُلاَءِ فِي الْقِتَال اسْتَحَقَّ قَاتِلُهُ سَلَبَهُ، لِجَوَازِ قَتْلِهِ حِينَئِذٍ.

9 - وَمِنْ شُرُوطِ اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يُثْخِنَهُ بِجِرَاحٍ تَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ الْمَقْتُول، بِحَيْثُ يَكُونُ قَدْ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ وَأَزَال امْتِنَاعَهُ كُلِّيًّا؛ كَأَنْ يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ يُعْمِيَ بَصَرَهُ أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ: وَكَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ أَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ يَدًا وَرِجْلاً لِضَعْفِ حَرَكَتِهِ فِي الْقَطْعِ؛ وَلأَِنَّ الأَْسْرَ أَبْلَغُ فِي الْقَهْرِ وَأَصْعَبُ مِنَ الْقَتْل؛ وَلأَِنَّ الإِْمَامَ يَتَخَيَّرُ فِي الأَْسِيرِ بَيْنَ الْقَتْل وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَنَحْوِهَا.
قَال مَكْحُولٌ: لاَ يَكُونُ السَّلَبُ إِلاَّ لِمَنْ أَسَرَ عِلْجًا (1) أَوْ قَتَلَهُ، وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا أَسَرَ رَجُلاً فَقَتَلَهُ الإِْمَامُ صَبْرًا فَسَلَبُهُ لِمَنْ أَسَرَهُ، وَإِنِ اسْتَبَقَاهُ الإِْمَامُ كَانَ لَهُ فِدَاؤُهُ أَوْ رَقَبَتُهُ وَسَلَبُهُ لأَِنَّهُ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ بَيْنِهِمُ السُّبْكِيُّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إِلاَّ الْقَاتِل لِظَاهِرِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ (2) وَلأَِنَّ غَيْرَ الْقَتْل لاَ يُزِيل الاِمْتِنَاعَ،
__________
(1) الرجل الضخم من كفار العجم.
(2) سبق تخريجه ف5.

الصفحة 179