كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 25)

مَشْرُوعِيَّةُ السَّلَمِ:
6 - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ عَقْدِ السَّلَمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
أ - أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (1) . قَال ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَذِنَ فِيهِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآْيَةَ (2) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهَا أَبَاحَتِ الدَّيْنَ، وَالسَّلَمُ نَوْعٌ مِنَ الدُّيُونِ، قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: " الدَّيْنُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كُل مُعَامَلَةٍ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِيهَا نَقْدًا، وَالآْخَرُ فِي الذِّمَّةِ نَسِيئَةً، فَإِنَّ الْعَيْنَ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا كَانَ حَاضِرًا، وَالدَّيْنَ مَا كَانَ غَائِبًا " (3) .
فَدَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى حِل الْمُدَايَنَاتِ بِعُمُومِهَا، وَشَمَلَتِ السَّلَمَ بِاعْتِبَارِهِ مِنْ
__________
(1) سورة البقرة / 282.
(2) أثر ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى. . أخرجه الشافعي (2 / 171 - مسنده - ترتيب السندي - نشر دار الكتب العلمية) والحاكم (2 / 286 - ط دائرة المعارف العثمانية) .
(3) أحكام القرآن لابن العربي 1 / 247.
أَفْرَادِهَا، إِذِ الْمُسْلَمُ فِيهِ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ إِلَى أَجَلِهِ.
ب - وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاَثَ، فَقَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (1) .
فَدَل الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ عَلَى إِبَاحَةِ السَّلَمِ وَعَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالاَ: كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَقُلْتُ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ؟ فَقَال: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ (2) .
ج - وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ
__________
(1) حديث: " من أسلف في تمر. . . . ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 429 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1227 - ط الحلبي) . واللفظ لمسلم.
(2) المغني لابن قدامة (مكتبة الرياض الحديثة 1401 هـ) 4 / 304. وحديث عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى أخرجه البخاري (الفتح 4 / 434 - ط السلفية) .

الصفحة 193