كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 25)
فَالْبَيْعُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مَفْسُوخٌ، لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ هَذَا بَيْعٌ مَوْصُوفٌ، وَالْبَيْعُ الْمَوْصُوفُ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِأَنْ يَقْبِضَ صَاحِبُهُ ثَمَنَهُ قَبْل أَنْ يَتَفَرَّقَا؛ لأَِنَّ قَبْضَهُ مَا سَلَّفَ فِيهِ قَبْضُ مِلْكٍ، وَهُوَ لَوْ قَبَّضَهُ مَال الرَّجُل عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ لَمْ يَكُنْ قَبْضَ مِلْكٍ.
وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَمْلِكِ الْبَائِعُ مَا دُفِعَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِلْبَائِعِ فَلَمْ يُمَلِّكْهُ الْبَائِعُ مَا بَاعَهُ؛ لأَِنَّهُ عَسَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَالِهِ ثُمَّ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، فَلاَ يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهِ إِلاَّ مَقْطُوعًا بِلاَ خِيَارٍ " (1) .
وَفِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ: (يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ بَاتًّا عَارِيًا عَنْ شَرْطِ الْخِيَارِ لِلْعَاقِدَيْنِ أَوْ لأَِحَدِهِمَا) ؛ لأَِنَّ جَوَازَ الْبَيْعِ مَعَ شَرْطِ الْخِيَارِ فِي الأَْصْل ثَبَتَ مَعْدُولاً بِهِ عَنِ الْقِيَاسِ لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ لِلْحَال، وَشَرْطُ الْخِيَارِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ.
وَمِثْل هَذَا الشَّرْطِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ فِي الأَْصْل، إِلاَّ أَنَّا عَرَفْنَا جَوَازَهُ بِالنَّصِّ وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ، فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى أَصْل الْقِيَاسِ، خُصُوصًا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُ،
__________
(1) الأم 3 / 133 (بإشراف محمد زهري النجار) .
وَالسَّلَمُ لَيْسَ فِي مَعْنَى بَيْعِ الْعَيْنِ فِيمَا شُرِعَ لَهُ الْخِيَارُ؛ لأَِنَّهُ شُرِعَ لِدَفْعِ الْغَبْنِ، وَالسَّلَمُ مَبْنَاهُ عَلَى الْغَبْنِ وَوَكْسِ الثَّمَنِ؛ لأَِنَّهُ بَيْعُ الْمَفَالِيسِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَوْرِدِ النَّصِّ، فَوُرُودُ النَّصِّ هُنَاكَ لاَ يَكُونُ وُرُودًا هَاهُنَا دَلاَلَةً، فَبَقِيَ الْحُكْمُ فِيهِ لِلْقِيَاسِ.
وَلأَِنَّ قَبْضَهُ رَأْسَ الْمَال مِنْ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَلاَ صِحَّةَ لِلْقَبْضِ إِلاَّ فِي الْمِلْكِ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ، فَيَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ. وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ (1) .
وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ وَقَالُوا بِجَوَازِ خِيَارِ الشَّرْطِ فِي السَّلَمِ لِلْعَاقِدَيْنِ أَوْ لأَِحَدِهِمَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ، بِشَرْطِ أَلاَّ يَتِمَّ فَقْدُ رَأْسِ الْمَال، فَإِنْ فُقِدَ فَسَدَ الْعَقْدُ مَعَ شَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِتَرَدُّدِ رَأْسِ الْمَال بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ (2) .
هَذَا هُوَ الرَّأْيُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ قَبْضِ رَأْسِ مَال السَّلَمِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا؛ لأَِنَّ هَذَا التَّأْخِيرَ الْيَسِيرُ فِي حُكْمِ التَّعْجِيل، فَيَكُونُ مَعْفُوًّا عَنْهُ؛ إِذِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ.
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 201، وشرح منتهى الإرادات 2 / 169.
(2) منح الجليل لعليش 3 / 5.
الصفحة 198