كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 25)
قَبْل تَسْلِيمِ رَأْسِ مَال السَّلَمِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ ".
وَقَدْ خَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِرَاطِ تَعْجِيل رَأْسِ مَال السَّلَمِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَقَالُوا: يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ بِشَرْطٍ وَبِغَيْرِ شَرْطٍ، اعْتِبَارًا لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ: " مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ "، حَيْثُ إِنَّهُمُ اعْتَبَرُوا هَذَا التَّأْخِيرَ الْيَسِيرَ مَعْفُوًّا عَنْهُ؛ لأَِنَّهُ فِي حُكْمِ التَّعْجِيل (1) ، وَمِنْ هُنَا قَال الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ (الإِْشْرَافِ) فِي تَعْلِيل جَوَازِ ذَلِكَ التَّأْخِيرِ الْيَسِيرِ: " فَأَشْبَهَ التَّأْخِيرَ لِلتَّشَاغُل بِالْقَبْضِ " (2) .
قَال ابْنُ رُشْدٍ فِي " الْمُقَدِّمَاتِ الْمُمَهِّدَاتِ ": (وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ فَوْقَ الثَّلاَثِ بِشَرْطٍ، فَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ، كَانَ رَأْسُ الْمَال عَيْنًا أَوْ عَرْضًا. فَإِنْ تَأَخَّرَ فَوْقَ الثَّلاَثِ بِغَيْرِ شَرْطٍ لَمْ يُفْسَخْ إِنْ كَانَ عَرْضًا. وَاخْتُلِفَ فِيهِ إِنْ كَانَ عَيْنًا: فَعَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ بَابِ
__________
(1) شرح الخرشي 5 / 220، المقدمات الممهدات لابن رشد ص 516، مواهب الجليل 4 / 514 وما بعدها، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي ص 173، ولعل ذلك مستفاد من أن مالكا في المدونة لم يجعل اليوم واليومين أجلا، كما نقل صاحب التاج والإكليل (4 / 367) عن ابن سراج.
(2) الإشراف على مسائل الخلاف 1 / 280.
السَّلَمِ يَفْسُدُ بِذَلِكَ وَيُفْسَخُ. وَعَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ لاَ يُفْسَخُ إِلاَّ أَنْ يَتَأَخَّرَ فَوْقَ الثَّلاَثِ بِشَرْطٍ) (1) .
17 - بَقِيَ بَعْدَ هَذَا مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ، وَهِيَ: مَا لَوْ عَجَّل الْمُسْلِمُ بَعْضَ رَأْسِ الْمَال فِي الْمَجْلِسِ وَأَجَّل الْبَعْضَ الآْخَرَ، فَمَا هُوَ الْحُكْمُ؟ .
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَبْطُل السَّلَمُ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ، وَيَسْقُطُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَيَصِحُّ فِي الْبَاقِي بِقِسْطِهِ (2) . قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: " وَصَحَّ فِي حِصَّةِ النَّقْدِ لِوُجُودِ قَبْضِ رَأْسِ الْمَال بِقَدْرِهِ، وَلاَ يَشِيعُ الْفَسَادُ لأَِنَّهُ طَارِئٌ، إِذِ السَّلَمُ وَقَعَ صَحِيحًا فِي الْكُل، وَلِذَا لَوْ نَقَدَ الْكُل قَبْل الاِفْتِرَاقِ صَحَّ " (3)
(وَالثَّانِي) لِلْمَالِكِيَّةِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَهُوَ أَنَّهُ يَبْطُل السَّلَمُ فِي الصَّفْقَةِ كُلِّهَا. عَلَّل الْمَالِكِيَّةُ قَوْلَهُمْ هَذَا بِأَنَّهُ " مَتَى قَبَضَ
__________
(1) المقدمات الممهدات ص 516، وانظر منح الجليل 3 / 4 و3 / 3.
(2) فتح العزيز 9 / 210، روضة الطالبين 4 / 3، مغني المحتاج 2 / 102، كشاف القناع 3 / 291، البحر الرائق 6 / 178، تأسيس النظر ص 95.
(3) البحر الرائق 6 / 178.
الصفحة 204