كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 25)
وَقَدِ احْتَجَّ الْكَاسَانِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ " أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ " فَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ؛ لأَِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ، لِمَا رُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِْنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ (1) ، سُمِّيَ السَّلَمُ بَيْعًا، فَكَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَبِيعًا، وَالْمَبِيعُ مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لاَ تَتَعَيَّنُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، فَلَمْ تَكُنْ مَبِيعَةً، فَلاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا " (2) .
وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَعُدُّونَ الْمَذْرُوعَاتِ الْمُتَمَاثِلَةَ الآْحَادِ وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةَ أَوِ الْمُتَسَاوِيَةَ مِنْ جُمْلَةِ الْمِثْلِيَّاتِ الَّتِي تَقْبَل الثُّبُوتَ فِي الذِّمَّةِ دَيْنًا فِي عَقْدِ السَّلَمِ، وَيَصِحُّ كَوْنُهَا مُسْلَمًا فِيهَا قِيَاسًا عَلَى الْمَكِيلاَتِ وَالْمَوْزُونَاتِ الَّتِي نَصَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِيهَا؛ لِلْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهُمَا وَهِيَ رَفْعُ الْجَهَالَةِ بِالْمِقْدَارِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ التَّقْدِيرِ هُوَ رَفْعُ الْجَهَالَةِ وَإِمْكَانُ
__________
(1) حديث: " نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم ". قال الزيلعي في نصب الراية (4 / 45 - ط المجلس العلمي) : " غريب بهذا اللفظ ". ثم ذكر أنه مركب من معنى حديثين، وقد تقدما في هذا البحث.
(2) بدائع الصنائع 5 / 212.
التَّسْلِيمِ بِلاَ نِزَاعٍ، وَهَذَا حَاصِلٌ بِالْعَدِّ وَالذَّرْعِ فِيمَا يُقَدَّرُ بِالْوَحَدَاتِ الْقِيَاسِيَّةِ الطُّولِيَّةِ أَوْ بِالْعَدَدِ كَمَا هُوَ حَاصِلٌ بِالْوَزْنِ أَوْ بِالْحَجْمِ فِيمَا يُقَدَّرُ بِالْوَزْنِ أَوِ الْكَيْل. قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: فَإِنْ قِيل: لِمَ خَصَّ فِي الْحَدِيثِ الْكَيْل وَالْوَزْنَ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ لِغَلَبَتِهِمَا وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى غَيْرِهِمَا (1) .
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَعْلُومًا:
22 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَعْلُومًا مُبَيَّنًا بِمَا يَرْفَعُ الْجَهَالَةَ عَنْهُ وَيَسُدُّ الأَْبْوَابَ إِلَى الْمُنَازَعَةِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ تَسْلِيمِهِ، لأَِنَّهُ بَدَلٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي سَائِرِ عُقُودِ الْمُبَادَلاَتِ الْمَالِيَّةِ.
وَلَمَّا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بِذَاتِهِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ أَنْ يَنُصَّ فِي عَقْدِ السَّلَمِ عَلَى جِنْسِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ حِنْطَةٌ أَوْ شَعِيرٌ أَوْ تَمْرٌ أَوْ زَيْتٌ. . وَعَلَى نَوْعِهِ إِنْ كَانَ لِلْجِنْسِ الْوَاحِدِ أَكْثَرُ مِنْ نَوْعٍ، بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الرُّزَّ مِنَ النَّوْعِ الأَْمْرِيكِيِّ أَوِ الْبِشَاوَرِيِّ وَنَحْوِ
__________
(1) مغني المحتاج 1 / 108.
الصفحة 209