كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 25)

وَحُجَّتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ، فَقَال: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (1) . فَلَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَذَكَرَهُ وَلَنَهَاهُمْ عَنِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاَثِ؛ لأَِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الثَّمَرَ لاَ يَبْقَى طُول هَذِهِ الْمُدَّةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ التَّسْلِيمَ قَبْل حُلُول الأَْجَل غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، فَلاَ يَلْزَمُ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ؛ إِذْ لاَ فَائِدَةَ لِوُجُودِهِ حِينَئِذٍ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَقَالُوا بِعَدَمِ صِحَّةِ السَّلَمِ إِلاَّ فِيمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الأَْسْوَاقِ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إِلَى مَحِل الأَْجَل دُونَ انْقِطَاعٍ (2) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بِأَنَّ الأَْجَل يَبْطُل بِمَوْتِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ، وَيَجِبُ أَخْذُ الْمُسْلَمِ
__________
(1) الحديث الذي رواه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة. . . . . تقدم تخريجه ف6.
(2) الهداية مع فتح القدير والعناية 6 / 213، المغني 4 / 326، البحر الرائق 6 / 172، وبدائع الصنائع 5 / 211.
فِيهِ مِنْ تَرِكَتِهِ. فَاشْتُرِطَ لِذَلِكَ دَوَامُ وُجُودِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لِتَدُومَ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ هَذَا الشَّرْطُ، وَمَاتَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ قَبْل أَنْ يَحِل الأَْجَل فَرُبَّمَا يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ. فَيَئُول ذَلِكَ إِلَى الْغَرَرِ (1) .

الشَّرْطُ السَّادِسُ: تَعْيِينُ مَكَانِ الإِْيفَاءِ:
28 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ مَكَانِ إِيفَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لِصِحَّةِ السَّلَمِ عَلَى أَرْبَعَةِ اتِّجَاهَاتٍ.
أ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُشْتَرَطُ بَيَانُ مَكَانِ الإِْيفَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلَمِ فِيهِ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ، أَيْ: لاَ يَحْتَاجُ نَقْلُهُ إِلَى كُلْفَةِ وَسِيلَةِ نَقْلٍ وَأُجْرَةِ حَمَّالٍ (2) .
أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ مَعَ صَاحِبَيْهِ فِي اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ مَكَانِ الإِْيفَاءِ. فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يُشْتَرَطُ بَيَانُ مَكَانِ إِيفَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ؛ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ غَيْرُ
__________
(1) الدر المختار وحاشية رد المحتار (بولاق 1272 هـ) 4 / 206، البحر الرائق 6 / 172، والمقدمات الممهدات ص 513.
(2) وهذا الحكم لا خلاف فيه بين الإمام والصاحبين، وفي هذه الحالة يكون للمسلم إليه أن يوفيه حيث شاء كما صحح الحصكفي في الدر المختار، وصحح ابن كمال أن الوفاء يكون في مكان العقد. (الدر المختار وحاشية ابن عابدين 4 / 207) .

الصفحة 216