كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 25)
وَحَثَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى اعْتِمَادِ هَذَا الطَّرِيقِ أَخْذًا وَعَطَاءً فَقَال فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -: تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ (1) .
وَلاَ يَخْفَى أَنَّ فِي الْحَدِيثَيْنِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ يُرَادُ لِلْعِلْمِ الاِسْتِمَاعُ وَالإِْنْصَاتُ وَالْحِفْظُ وَالْعَمَل وَالنَّشْرُ (2) .
وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى اعْتِبَارِ التَّمْيِيزِ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ، فَإِنْ فَهِمَ الْخِطَابَ وَرَدَّ الْجَوَابَ كَانَ مُمَيِّزًا صَحِيحَ السَّمَاعِ وَإِلاَّ فَلاَ، وَهُوَ رَأْيُ أَغْلَبِ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مُوسَى بْنُ هَارُونَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَنَقَل الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ أَهْل الصَّنْعَةِ حَدَّدُوا أَوَّل زَمَنٍ يَصِحُّ فِيهِ السَّمَاعُ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ الْعَمَل (3) . اعْتِمَادًا
__________
(1) حديث: " تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم ". أخرجه أبو داود (4 / 68 - ط، عزت عبيد الدعاس) وإسناده حسن (جامع الأصول في أحاديث الرسول 8 / 19، 20 ط. مطبعة الملاح) .
(2) جامع بيان العلم 1 / 118، دار الكتب العلمية، بيروت، والإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ص 221.
(3) الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ص 62، 65 - 66، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري 1 / 171، المكتبة السلفية، وتدريب الراوي في شرح تقريب المناوي 2 / 5 - 6 دار التراث ط2 سنة 1392 هـ 1972م.
عَلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَال: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي مِنْ دَلْوٍ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِنَا وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ. وَلَعَلَّهُمْ رَأَوْا هَذَا التَّحْدِيدَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَدْنَى مَا يَحْصُل فِيهِ ضَبْطُ مَا يَسْمَعُ وَإِلاَّ فَمَرَدُّ ذَلِكَ لِلْعَادَةِ وَحْدَهَا؛ إِذِ الأَْمْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ اسْتِعْدَادِ الأَْشْخَاصِ لِلأَْخْذِ وَالتَّلَقِّي كَمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ طُرُقِ التَّحَمُّل، وَهِيَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ ضَبَطَهَا أَهْل الرِّوَايَةِ فِي ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ، أَوَّلُهَا: سَمَاعُ الْحَدِيثِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ وَهُوَ أَرْفَعُ الأَْقْسَامِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْل الْعِلْمِ، وَأَدْنَاهَا الْوِجَادَةُ.
أَمَّا السِّنُّ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الطَّالِبُ لِسَمَاعِ الْحَدِيثِ فَقِيل ثَلاَثُونَ سَنَةً وَقِيل عِشْرُونَ، وَعَلَيْهِ قَبْل الشُّرُوعِ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَخَلَّقَ بِأَخْلاَقِ أَهْلِهِ وَأَنْ يَلْتَزِمَ بِزِيِّهِمْ وَيَتَأَدَّبَ بِأَدَبِهِمْ وَأَنْ يَلْزَمَ الْوَقَارَ وَالسَّكِينَةَ وَالْمُوَاظَبَةَ فِي طَلَبِهِ وَإِخْلاَصَ النِّيَّةِ فِيهِ وَالتَّوَاضُعَ لِمَنْ يَأْخُذُ عَنْهُ وَالصَّبْرَ عَلَى مَا يَلْقَاهُ فِي سَبِيلِهِ وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا يُسَاعِدُ عَلَى الاِسْتِفَادَةِ وَالإِْفَادَةِ وَيُيَسِّرُ التَّحَمُّل وَالتَّحْمِيل (1) .
__________
(1) الإلماع 45 - 63 وما بعدها، جامع الأصول 9 / 15، 38 وما بعدها، وفتح الباري 1 / 172 البرهان 1 / 644، والإلماع ص 64، فتح الباري 1 / 173، وتدريب الراوي 2 / 140 - 158.
الصفحة 247