كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 25)

بِالْمُبَاشَرَةِ لَهَا بِالْجِنَايَةِ، بَل تَفُوتُ تَبَعًا لِمَحَلِّهَا أَوْ لِمُجَاوِرِهَا. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا زَال السَّمْعُ بِسِرَايَةٍ مِنْ جِنَايَةٍ لاَ قِصَاصَ فِيهَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ (1) ، كَأَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ خَطَأً أَوْ مِمَّا يَتَعَذَّرُ مِنْهُ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الْجِنَايَةِ وَالْقِصَاصِ كَالْهَاشِمَةِ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ تَكَافُؤٌ بَيْنَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ قَوْلَهُ: " إِنَّ عَوَامَّ أَهْل الْعِلْمِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي السَّمْعِ دِيَةً ". وَقَال: وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَبِهِ قَال مُجَاهِدٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَأَهْل الشَّامِ، وَأَهْل الْعِرَاقِ وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: " لاَ أَعْلَمُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ خِلاَفًا لَهُمْ (2) ".
وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: وَفِي السَّمْعِ دِيَةٌ (3) .
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلاً رَمَى رَجُلاً بِحَجَرٍ فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ وَلِسَانُهُ وَنِكَاحُهُ، فَقَضَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ، وَالرَّجُل
__________
(1) ابن عابدين 5 / 348، نهاية المحتاج 7 / 334، مواهب الجليل 6 / 248، المغني 8 / 9.
(2) المغني 8 / 9.
(3) حديث: " وفي السمع دية ". أورده البيهقي في سننه (8 / 85 - ط دائرة المعارف العثمانية) بلفظ: " في السمع مائة من الإبل "، وعزاه إلى أبي يحيى الساجي بإسناد ضعفه.
حَيٌّ؛ لأَِنَّ السَّمْعَ حَاسَّةٌ تَخْتَصُّ بِنَفْعٍ فَكَانَ فِيهَا الدِّيَةُ.
أَمَّا إِذَا ذَهَبَ بِجِنَايَةٍ فِيهَا الْقِصَاصُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ، فَيُقْتَصُّ مِنْهُ بِمِثْل فِعْلِهِ. فَإِنْ ذَهَبَ بِهِ فَقَدْ حَصَل الْمَقْصُودُ، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أُذْهِبَ بِمُعَالَجَةٍ لأَِنَّ لِلسَّمْعِ مَحِلًّا مَضْبُوطًا، وَلأَِهْل الْخِبْرَةِ طُرُقٌ فِي إِبْطَالِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَلَكِنْ قَالُوا: إِذَا لَمْ يَبْطُل بِالْقِصَاصِ فَلاَ يَبْطُل بِالْمُعَالَجَةِ بَل يَجِبُ عَلَى الْجَانِي أَوْ عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ (1) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ قِصَاصَ فِي إِبْطَال السَّمْعِ لِتَعَذُّرِ الاِقْتِصَاصِ فِيهِ (2) . وَالتَّفْصِيل فِي (الْقِصَاص) (وَالدِّيَة) (وَالْجِنَايَةُ فِي مَا دُونَ النَّفْسِ) . وَبَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَصْل مُصْطَلَحِ السَّمْعِ يُنْظَرُ فِي بَحْثِ (اسْتِمَاع) (وَأُذُن) .
__________
(1) أسنى المطالب 4 / 25، نهاية المحتاج 7 / 286، مواهب الجليل 6 / 248، وكشاف القناع 5 / 552، 553.
(2) بدائع الصنائع 7 / 307.

الصفحة 253