كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)

قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} (1) .
15 - وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَمَثُّل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ وَإِنْشَادِهِ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ لِمَا رَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ قَال: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَثَّل بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَتَمَثَّل بِشِعْرِ ابْنِ أَبِي رَوَاحَةَ وَيَتَمَثَّل وَيَقُول

وَيَأْتِيكَ بِالأَْخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ

(2) . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ

أَلاَ كُل شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِل

(3) .
وَإِصَابَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزْنَ الشِّعْرِ لاَ يُوجِبُ أَنَّهُ يَعْلَمُ الشِّعْرَ، وَكَذَلِكَ مَا يَأْتِي مِنْ نَثْرِ كَلاَمِهِ مِمَّا يَدْخُل فِي وَزْنٍ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَل أَنْتِ إِلاَّ أُصْبُعٌ دَمِيَتْ
__________
(1) سورة يس / 69.
(2) حديث: " كان يتمثل بشعر ابن رواحة. . . ". أخرجه الترمذي (5 / 139 - ط الحلبي) وفي إسناده مقال، وأورده الهيثمي في المجمع (8 / 128 - ط القدسي) وعزاه إلى البزار والطبراني من حديث ابن عباس وقال: " رجالهما رجال الصحيح ".
(3) فتح الباري 10 / 537 - 541، وحديث: " أصدق كلمة قالها شاعر. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 10 / 537 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 1768 - ط الحلبي) .
وَفِي سَبِيل اللَّهِ مَا لَقِيتِ (1) وَقَوْل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ (2)
فَقَدْ يَأْتِي مِثْل ذَلِكَ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (3) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} (4) وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} (5) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا شِعْرًا وَلاَ فِي مَعْنَاهُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَالِمًا بِالشِّعْرِ وَلاَ شَاعِرًا؛ لأَِنَّ إِصَابَةَ الْقَافِيَتَيْنِ مِنَ الرَّجَزِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَمَا قَال الْقُرْطُبِيُّ، لاَ تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَائِل عَالِمًا بِالشِّعْرِ وَلاَ يُسَمَّى شَاعِرًا، كَمَا أَنَّ مَنْ خَاطَ خَيْطًا لاَ يَكُونُ خَيَّاطًا، قَال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى {مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} (6) وَمَا عَلَّمْنَاهُ أَنْ يُشْعِرَ، أَيْ مَا جَعَلْنَاهُ شَاعِرًا، وَهَذَا لاَ
__________
(1) حديث: " هل أنت إلا إصبع دميت. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 10 / 537 - ط السلفية) من حديث جندب بن عبد الله.
(2) حديث: " أنا النبي لا كذب. . . . ". أخرجه البخاري (الفتح 8 / 28 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1400 - ط الحلبي) .
(3) سورة آل عمران / 92.
(4) سورة الصف / 13.
(5) سورة سبأ / 13.
(6) سورة يس / 69.

الصفحة 118