كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)
يَمْنَعُ أَنْ يُنْشِدَ شَيْئًا مِنَ الشِّعْرِ (1) .
رَابِعًا: إِنْشَادُ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ:
16 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَضْمُونِ الشِّعْرِ، فَإِنْ كَانَ حَسَنًا جَازَ إِنْشَادُهُ فِي الْمَسْجِدِ وَإِلاَّ فَلاَ (2) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الآْثَارِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُنْشَدَ الأَْشْعَارُ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ يُبَاعَ فِيهِ السِّلَعُ، وَأَنْ يُتَحَلَّقَ فِيهِ قَبْل الصَّلاَةِ (3) ثُمَّ وَفَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا وَرَدَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ لِحَسَّانٍ مِنْبَرًا يُنْشِدُ عَلَيْهِ الشِّعْرَ (4) بِحَمْل الأَْوَّل عَلَى مَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهْجُوهُ بِهِ، أَوْ عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرُ مَنْ فِيهِ مُتَشَاغِلاً بِهِ، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ فِيهِ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ كَالسُّوقِ لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَلِيًّا عَنْ خَصْفِ النَّعْل فِيهِ (5) . مَعَ أَنَّهُ لَوِ
__________
(1) تفسير القرطبي 15 / 52 - 54.
(2) تفسير القرطبي 12 / 270 - 271، إعلام الساجد بأحكام المساجد 323.
(3) حديث: " نهى أن تنشد الأشعار في المسجد. . . ". أخرجه الترمذي (2 / 139 - ط الحلبي) والطحاوي في شرح معاني الآثار (4 / 358 - ط مطبعة الأنوار المحمدية) من حديث عبد الله بن عمرو واللفظ للترمذي وقال: " حديث حسن ".
(4) حديث: " وضع لحسان منبرًا ينشد عليه الشعر ". أخرجه أبو داود (5 / 280 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (5 / 138 - ط الحلبي) من حديث عائشة، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
(5) حديث خصف علي للنعل، أخرجه الطحاوي (4 / 359 - ط. مطبعة الأنوار المحمدية) .
اجْتَمَعَ النَّاسُ لِخَصْفِ النِّعَال فِيهِ كُرِهَ، فَكَذَلِكَ الْبَيْعُ وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ وَالتَّحَلُّقُ قَبْل الصَّلاَةِ فَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ كُرِهَ وَمَا لاَ فَلاَ. وَهَذَا نَظَرَ مَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ (1) .
وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنِ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَلاَّ يُنْشَدَ فِي الْمَسْجِدِ شِعْرٌ لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ لِلإِْسْلاَمِ وَلاَ حَثٌّ عَلَى مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ حَرُمَ.
وَنُقِل عَنِ الصَّيْمَرِيِّ قَوْلُهُ: كَرِهَ قَوْمٌ إِنْشَادَ الشِّعْرِ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِمَكْرُوهٍ، وَقَدْ كَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْشَدَهُ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَصِيدَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، لَكِنْ لاَ يُكْثِرُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ، قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الشِّعْرِ الْمُبَاحِ أَوِ الْمُرَغِّبِ فِي الآْخِرَةِ أَوِ الْمُتَعَلِّقِ بِمَدْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذِكْرِ بَعْضِ مَنَاقِبِهِ وَمَآثِرِهِ لاَ مُطْلَقِ الشِّعْرِ، وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: لَعَل الْحَدِيثَ فِي الْمَنْعِ مِنْ إِنْشَادِ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا فِيهِ هَجْوٌ أَوْ مَدْحٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُدِحَ وَأُنْشِدَ مَدْحُهُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ، وَقَال ابْنُ بَطَّالٍ: لَعَلَّهُ كَانَ فِيمَا يَتَشَاغَل النَّاسُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ
__________
(1) رد المحتار 1 / 444، وتفسير القرطبي 12 / 271.
الصفحة 119