كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)
ثَامِنًا: الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ كُتُبِ الشِّعْرِ:
20 - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَكَذَا الشِّعْرُ الَّذِي يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِهِ، وَمَا لاَ يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِهِ لاَ قَطْعَ فِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَبْلُغَ الْجِلْدُ وَالْقِرْطَاسُ نِصَابًا (1) وَلِلتَّفْصِيل (ر: سَرِقَةٌ) .
تَاسِعًا: الْحَدُّ بِمَا جَاءَ فِي الشِّعْرِ:
21 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا اعْتَرَفَ الشَّاعِرُ فِي شِعْرِهِ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا، هَل يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَمْ لاَ؟ فَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِهَذَا الاِعْتِرَافِ.
وَذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ الشَّاعِرَ قَدْ يُبَالِغُ فِي شِعْرِهِ حَتَّى تَصِل بِهِ الْمُبَالَغَةُ إِلَى الْكَذِبِ وَادِّعَاءِ مَا لَمْ يَحْدُثْ وَنِسْبَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ، رَغْبَةً فِي تَسْلِيَةِ النَّفْسِ وَتَحْسِينِ الْقَوْل، رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُل وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} (2) قَال: أَكْثَرُ قَوْلِهِمْ يَكْذِبُونَ فِيهِ، وَعَقَّبَ ابْنُ كَثِيرٍ بِقَوْلِهِ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ، فَإِنَّ الشُّعَرَاءَ يَتَبَجَّحُونَ
__________
(1) روضة الطالبين 10 / 121.
(2) سورة الشعراء / 224 - 226.
بِأَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ لَمْ تَصْدُرْ مِنْهُمْ وَلاَ عَنْهُمْ، فَيَتَكَثَّرُونَ بِمَا لَيْسَ لَهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ شِعْرًا لِلنُّعْمَانِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَضْلَةَ يَعْتَرِفُ فِيهِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ قَال: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُومِنِينَ مَا شَرِبْتُهَا قَطُّ، وَمَا فَعَلْتُ شَيْئًا مِمَّا قُلْتُ، وَمَا ذَاكَ الشِّعْرُ إِلاَّ فَضْلَةً مِنَ الْقَوْل، وَشَيْءٌ طَفَحَ عَلَى لِسَانِي، فَقَال عُمَرُ: أَظُنُّ ذَلِكَ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لاَ تَعْمَل لِي عَمَلاً أَبَدًا وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَدَّهُ عَلَى الشَّرَابِ وَقَدْ ضَمَّنَهُ شِعْرَهُ؛ لأَِنَّ الشُّعَرَاءَ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ وَلَكِنْ ذَمَّهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلاَمَهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَزَلَهُ بِهِ (1) .
عَاشِرًا: التَّكَسُّبُ بِالشِّعْرِ:
22 - ذَهَبَ بَعْضُهُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ التَّكَسُّبَ بِالشِّعْرِ مِنَ الْمَكَاسِبِ الْخَبِيثَةِ وَمِنَ السُّحْتِ الْحَرَامِ؛ لأَِنَّ مَا يُدْفَعُ إِلَى الشَّاعِرِ إِنَّمَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ عَادَةً لِقَطْعِ لِسَانِهِ، وَالشَّاعِرُ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ، فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُذُوا الشَّيْطَانَ (2) . قَال الْقُرْطُبِيُّ: قَال عُلَمَاؤُنَا:
__________
(1) تفسير ابن كثير 3 / 353 - 354، تفسير ابن العربي 3 / 465، تفسير القرطبي 13 / 149.
(2) حديث: " خذوا الشيطان ". أخرجه مسلم (4 / 1769 - 1770 - ط الحلبي) .
الصفحة 121