كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)

وَإِنَّمَا فَعَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا مَعَ هَذَا الشَّاعِرِ لِمَا عَلِمَ مِنْ حَالِهِ، فَلَعَلَّهُ كَانَ مِمَّنْ قَدْ عُرِفَ أَنَّهُ اتَّخَذَ الشِّعْرَ طَرِيقًا لِلتَّكَسُّبِ، فَيُفْرِطُ فِي الْمَدْحِ إِذَا أُعْطِيَ، وَفِي الْهَجْوِ وَالذَّمِّ إِذَا مُنِعَ، فَيُؤْذِي النَّاسَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْل هَذِهِ الْحَالَةِ، فَكُل مَا يَكْتَسِبُهُ بِالشِّعْرِ حَرَامٌ، وَكُل مَا يَقُولُهُ مِنْ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَلاَ يَحِل الإِْصْغَاءُ إِلَيْهِ، بَل يَجِبُ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مِنْ لِسَانِهِ قَطْعًا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُدَارِيَهُ بِمَا اسْتَطَاعَ، وَيُدَافِعَهُ بِمَا أَمْكَنَ، وَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا ابْتِدَاءً؛ لأَِنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ أَعْطَاهُ بِنِيَّةِ وِقَايَةِ الْعِرْضِ، فَمَا وَقَى بِهِ الْمَرْءُ عِرْضَهُ كُتِبَ لَهُ بِهِ صَدَقَةً (1) .
وَذَكَرَ الْحَصْكَفِيُّ الْحَنَفِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْطِي الشُّعَرَاءَ وَلِمَنْ يَخَافُ لِسَانَهُ، وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ مَا وَرَدَ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلاً قَال: أَتَى شَاعِرٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا بِلاَل، اقْطَعْ عَنِّي لِسَانَهُ فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا (2) .
__________
(1) رد المحتار 5 / 272، تفسير القرطبي 13 / 150.
(2) رد المحتار 5 / 272 وحديث: " يا بلال اقطع لسانه. . . . ". أخرجه الخطابي في الغريب (2 / 170 - ط مركز البحث العلمي - مكة المكرمة) والبيهقي في سننه (10 / 241 - ط دائرة المعارف العثمانية) ولإرساله قال البيهقي: " هذا منقطع ".
وَقَال عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَا أَمِيرَ الْمُومِنِينَ، إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مُدِحَ وَأَعْطَى وَفِيهِ أُسْوَةٌ لِكُل مُسْلِمٍ، قَال: وَمَنْ مَدَحَهُ؟ قَال: عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ فَكَسَاهُ حُلَّةً قَطَعَ بِهَا لِسَانَهُ (1) . أَمَّا الشَّاعِرُ الَّذِي يُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَلاَ يُعْطَى مُدَارَاةً لَهُ وَقَطْعًا لِلِسَانِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ حَلاَلٌ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ بُرْدَتَهُ إِلَى كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا امْتَدَحَهُ بِقَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ (2) .
وَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفَدَ عَلَيْهِ الشُّعَرَاءُ كَمَا كَانُوا يَفِدُونَ عَلَى الْخُلَفَاءِ قَبْلَهُ، فَأَقَامُوا بِبَابِهِ أَيَّامًا لاَ يَأْذَنُ لَهُمْ بِالدُّخُول، حَتَّى قَدِمَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ وَكَانَتْ لَهُ مَكَانَةٌ، فَتَعَرَّضَ لَهُ جَرِيرٌ وَطَلَبَ شَفَاعَتَهُ، فَاسْتَأْذَنَ لَهُمْ، فَلَمْ يَأْذَنْ إِلاَّ لِجَرِيرٍ، فَلَمَّا مَثَل بَيْنَ يَدَيْهِ قَال لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَقُل إِلاَّ حَقًّا، فَمَدَحَهُ بِأَبْيَاتٍ، فَقَال عُمَرُ: يَا جَرِيرُ، لَقَدْ وُلِّيتَ هَذَا الأَْمْرَ وَمَا
__________
(1) تفسير ابن العربي 3 / 466. وحديث عدي بن أرطاة. . . . أخرجه ابن قدامة في " إثبات صفة العلو " (ص 69 - ط الدار السلفية) وضعفه الذهبي في " العلو للعلي الغفار " (ص 42 - ط المكتبة السلفية) .
(2) رد المحتار 5 / 272. وحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع بردته إلى كعب بن زهير. . . . أورده ابن حجر في الإصابة (3 / 295 - ط مطبعة السعادة) إلى ابن قانع.

الصفحة 122