كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)
أَمْلِكُ إِلاَّ ثَلاَثَمِائَةٍ، فَمِائَةٌ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ، وَمِائَةٌ أَخَذَتْهَا أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ، يَا غُلاَمُ: أَعْطِهِ الْمِائَةَ الثَّالِثَةَ، فَقَال: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهَا لأََحَبُّ مَالٍ كَسَبْتُهُ إِلَيَّ (1) .
حَادِيَ عَشَرَ: شَهَادَةُ الشَّاعِرِ:
23 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى قَبُول شَهَادَةِ الشَّاعِرِ الَّذِي لاَ يَرْتَكِبُ بِشِعْرِهِ مُحَرَّمًا أَوْ مَا يُخِل بِالْمُرُوءَةِ، فَإِنِ ارْتَكَبَ ذَلِكَ فَفِي رَدِّ شَهَادَتِهِ بِهِ تَفْصِيلٌ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنْ كَثُرَ إِنْشَادُهُ وَإِنْشَاؤُهُ حِينَ تَنْزِل بِهِ مُهِمَّاتُهُ وَيَجْعَلُهُ مَكْسَبَةً لَهُ تَنْقُضُ مُرُوءَتُهُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الشَّاعِرِ إِذَا كَانَ لاَ يَرْتَكِبُ بِشِعْرِهِ مُحَرَّمًا، وَإِلاَّ امْتَنَعَتْ شَهَادَتُهُ (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تُرَدُّ شَهَادَةُ الشَّاعِرِ إِذَا هَجَا مَعْصُومَ الدَّمِ - مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا - بِمَا يَفْسُقُ بِهِ، بِخِلاَفِ الْحَرْبِيِّ فَلاَ يَحْرُمُ هِجَاؤُهُ، وَلاَ تُرَدُّ شَهَادَةُ الشَّاعِرِ بِهِجَائِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِهِجَاءِ الْكُفَّارِ (3) .
وَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ جَوَازُ هَجْوِ الْكَافِرِ.
__________
(1) أحكام القرآن لابن العربي 3 / 465 - 468.
(2) رد المحتار 1 / 433، والفواكه الدواني 2 / 458.
(3) حديث: " أمر حسان بن ثابت بهجاء الكفار ". أخرجه البخاري (الفتح 10 / 546 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 1933 - ط الحلبي) من حديث البراء بن عازب.
الْمُعَيَّنِ، وَعَلَيْهِ فَيُفَارِقُ عَدَمَ جَوَازِ لَعْنِهِ بِأَنَّ اللَّعْنَ الإِْبْعَادُ مِنَ الْخَيْرِ، وَلاَعِنُهُ لاَ يَتَحَقَّقُ بَعْدَهُ مِنْهُ فَقَدْ يُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرٍ.
وَقَالُوا: تُرَدُّ شَهَادَةُ الشَّاعِرِ كَذَلِكَ إِذَا شَبَّبَ بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِأَنْ ذَكَرَ صِفَاتِهَا مِنْ نَحْوِ حُسْنٍ وَطُولٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيذَاءِ، وَكَذَلِكَ إِذَا هَتَكَ السِّتْرَ وَوَصَفَ أَعْضَاءَهَا الْبَاطِنَةَ بِمَا حَقُّهُ الإِْخْفَاءُ وَلَوْ كَانَ مِنْ حَلِيلَتِهِ، وَمِثْل الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ الأَْمْرَدُ إِذَا صَرَّحَ بِعِشْقِهِ، فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنِ الشَّاعِرُ مَنْ يُشَبِّبُ بِهِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لأَِنَّ التَّشْبِيبَ صَنْعَةٌ، وَغَرَضُ الشَّاعِرِ تَحْسِينُ صَنْعَتِهِ لاَ تَحْقِيقُ الْمَذْكُورِ فِيهِ، فَلَيْسَ ذِكْرُ شَخْصٍ مَجْهُولٍ تَعْيِينًا، لَكِنَّ بَعْضَ الشُّعَرَاءِ قَدْ يَنْصِبُونَ قَرَائِنَ تَدُل عَلَى تَعْيِينِ الْمُشَبَّبِ بِهِ، وَعِنْدَئِذٍ يَكُونُ التَّشْبِيبُ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ فِي حُكْمِ التَّشْبِيبِ بِمُعَيَّنٍ.
وَتُرَدُّ شَهَادَةُ الشَّاعِرِ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ أَكْثَرَ الْكَذِبَ فِي شِعْرِهِ، وَجَاوَزَ فِي ذَلِكَ الْحَدَّ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الشَّاعِرُ مَتَى كَانَ يَهْجُو الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَمْدَحُ بِالْكَذِبِ أَوْ يَقْذِفُ مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُرَدُّ، وَسَوَاءٌ قَذَفَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ (2) .
__________
(1) نهاية المحتاج 8 / 283، الجمل 5 / 382، أسنى المطالب 4 / 346، فتح الباري 10 / 546.
(2) المغني 9 / 178.
الصفحة 123