كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)
صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ، وَنَقِيضُ الْحَمْدِ الذَّمُّ. فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشُّكْرَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى نِعْمَةٍ أَسْدَاهَا الْمَشْكُورُ إِلَى الشَّاكِرِ خَاصَّةً، وَالْحَمْدُ يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ الإِْنْعَامِ عَلَى الشَّاكِرِ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَكُونُ فِي غَيْرِ مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ أَصْلاً بَل لِمُجَرَّدِ اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِالأَْوْصَافِ الْحَسَنَةِ وَالْفَضَائِل. فَلاَ يُقَال: شَكَرْنَا اللَّهَ عَلَى حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ، وَيُقَال: حَمِدْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَحْمُودٌ عَلَى إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ، وَالشُّكْرُ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَالْحَمْدَ لَيْسَ إِلاَّ بِاللِّسَانِ، فَيَجْتَمِعُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ فِي الثَّنَاءِ بِاللِّسَانِ عَلَى النِّعْمَةِ، وَيَنْفَرِدُ الْحَمْدُ فِي الثَّنَاءِ بِاللِّسَانِ عَلَى الأَْوْصَافِ الذَّاتِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَيَنْفَرِدُ الشُّكْرُ فِيمَا يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ (1) . وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ فَمَنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَمْ يَشْكُرْهُ (2) .
__________
(1) المجموع للنووي 1 / 74، وتفسير الرازي 1 / 219، ونهاية المحتاج 1 / 21، ومدارج السالكين 2 / 246، وأسنى المطالب 1 / 3.
(2) حديث: " الحمد رأس الشكر. . . . ". أخرجه البيهقي في الشعب كما في فيض القدير للمناوي (3 / 418 - ط. المكتبة التجارية) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأعل بالانقطاع بين عبد الله بن عمرو والراوي عنه.
أَحْكَامُ الشُّكْرِ:
4 - الشُّكْرُ نَوْعَانِ، شُكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَشُكْرٌ لِعِبَادِ اللَّهِ.
أَوَّلاً: شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى:
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
5 - شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ وَاجِبٌ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَدِ اسْتَدَل الْحَلِيمِيُّ لِذَلِكَ بِالآْيَاتِ الَّتِي فِيهَا الأَْمْرُ، نَحْوِ قَوْله تَعَالَى:
{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} (1) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (2) .
ثُمَّ قَال الْحَلِيمِيُّ: فَثَبَتَ بِهَاتَيْنِ الآْيَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا وُجُوبُ شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ لِنِعَمِهِ السَّابِغَةِ عَلَيْهِمْ (3) .
ثُمَّ احْتَجَّ لِلْوُجُوبِ أَيْضًا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (4) قَال: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَنِ النَّعِيمِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ عَنْ شُكْرِهِ (5) .
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ هَل وَجَبَ بِالْعَقْل ثُمَّ جَاءَ الشَّرْعُ مُقَرِّرًا
__________
(1) سورة البقرة / 152.
(2) سورة الأعراف / 69.
(3) المنهاج في شعب الإيمان 2 / 545 ط. بيروت، دار الفكر 1399 هـ.
(4) سورة التكاثر / 8.
(5) المنهاج 2 / 555.
الصفحة 174