كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)
لِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَجِبْ إِلاَّ بِالشَّرْعِ.؟ .
فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الأَْوَّل مُعْظَمُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ وَنَصَّ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ أَيْضًا.
وَذَهَبَ الأَْشْعَرِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْل؛ لأَِنَّ الْعَقْل لاَ مَجَال لَهُ فِي أُمُورِ الآْخِرَةِ مِنْ إِثْبَاتِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ (1) . وَتُنْظَرُ الْمَسْأَلَةُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
وَقَال الرَّازِيَّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيل إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (2) الْمُرَادُ مِنَ الشَّاكِرِ الَّذِي يَكُونُ مُقِرًّا مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْهِ، وَمِنَ الْكَفُورِ الَّذِي لاَ يُقِرُّ بِذَلِكَ إِمَّا لأَِنَّهُ يُنْكِرُ الْخَالِقَ أَوْ لأَِنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ شُكْرِهِ (3) .
وَالإِْكْثَارُ مِنَ الشُّكْرِ مُسْتَحَبٌّ. وَلِلشُّكْرِ مَوَاضِعُ يُنْدَبُ فِيهَا كَحَمْدِ اللَّهِ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَلْبَسِ. (وَانْظُرْ: تَحْمِيدٌ) .
فَضْل الشُّكْرِ:
6 - وَرَدَتِ الشَّرِيعَةُ بِإِثْبَاتِ فَضْل الشُّكْرِ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا:
أ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى فِي كِتَابِهِ عَلَى أَهْل الشُّكْرِ وَوَصَفَ بِذَلِكَ بَعْضَ خَوَاصِّ خَلْقِهِ،
__________
(1) المستصفى للغزالي 1 / 61، وشرح مسلم الثبوت 1 / 47 مطبعة بولاق - 1322 هـ.
(2) سورة الإنسان / 3.
(3) تفسير الرازي 30 / 239.
فَقَال تَعَالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأَِنْعُمِهِ (1) } وَقَال عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (2) } .
ب - إِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ الْهَدَفَ مِنْ تَفَضُّلِهِ بِالنِّعَمِ، قَال تَعَالَى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَل لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَْبْصَارَ وَالأَْفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (3) } وَقَال فِي شَأْنِ تَسْخِيرِهِ الأَْنْعَامَ: {كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (4) } .
ج - أَنَّهُ تَعَالَى وَعَدَ الشَّاكِرِينَ بِأَحْسَنِ الْجَزَاءِ فَقَال: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (5) } وَبَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ يُحِبُّ الشَّاكِرِينَ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَعُودُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ نَفْعِ شُكْرِهِمْ بَل نَفْعُهُ لَهُمْ، قَال تَعَالَى: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) } .
د - أَنَّهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْمَزِيدِ مِنَ النِّعَمِ، فَقَال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ
__________
(1) سورة النحل / 120، 121.
(2) سورة الإسراء / 3.
(3) سورة النحل / 78.
(4) سورة الحج / 36.
(5) سورة آل عمران / 145.
(6) سورة لقمان / 12.
الصفحة 175