كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)

أَنْعَمَ بِهَا عَلَى الشَّاكِرِ، وَالْعَبْدُ فِي كُل أَحْوَالِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ نَبَّهَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (1) } وَكَثِيرٌ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَارِدَةٌ فِي تَعْدَادِ تِلْكَ النِّعَمِ بِالتَّفْصِيل، وَفِي لَفْتِ الأَْنْظَارِ إِلَى وُجُوهِ اللُّطْفِ فِيهَا، وَإِلَى الاِعْتِبَارِ بِهَا، وَبَيَانِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا وَضَعَهَا لِيَبْتَلِيَ بِهَا الإِْنْسَانَ هَل يَشْكُرُ أَمْ يَكْفُرُ.
فَمِنْ ذَلِكَ نِعْمَةُ خَلْقِ الأَْرْضِ فِرَاشًا وَالسَّمَاءِ بِنَاءً وَالشَّمْسِ ضِيَاءً وَالْقَمَرِ نُورًا وَتَقْدِيرِ الأَْقْوَاتِ فِي الأَْرْضِ وَإِنْزَال الْمَطَرِ مِنَ السَّمَاءِ شَرَابًا وَإِنْبَاتِ الزَّرْعِ فِيهَا وَسَائِرِ مَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ بَدَنُ الإِْنْسَانِ، وَخَلْقِ الأَْنْعَامِ وَمَا جَعَلَهُ فِيهَا لِلنَّاسِ مِنْ مَنَافِعَ مِنْ لَحْمِهَا وَلَبَنِهَا وَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا وَرُكُوبِهَا وَالتَّجَمُّل بِهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ نِعْمَةُ خَلْقِ الإِْنْسَانِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَخَلْقِ الأَْسْمَاعِ وَالأَْبْصَارِ وَالأَْفْئِدَةِ لِتَكُونَ وَسَائِل لِلإِْدْرَاكِ، وَتَعْلِيمِ الإِْنْسَانِ الْبَيَانَ.
وَمِنْ ذَلِكَ نِعْمَةُ إِرْسَال الرُّسُل وَإِنْزَال الْكُتُبِ وَالدَّلاَلَةِ عَلَى طُرُقِ الإِْيمَانِ. وَهَذِهِ كُلُّهَا نِعَمٌ عَامَّةٌ لَمْ يُخَصَّ بِهَا مُؤْمِنٌ مِنْ كَافِرٍ (2) .
__________
(1) سورة النحل / 53.
(2) عقد كل من الحليمي والغزالي فصلاً لبيان النعم وتعداد أصنافها ووجوهها كمقدمة لبيان أحكام الشكر، انظر المنهاج 2 / 519 - 544، والإحياء 4 / 96 - 119.
وَمِنْهَا نِعَمٌ خَاصَّةٌ وَأَعْظَمُهَا التَّوْفِيقُ لِلإِْيمَانِ وَالاِهْتِدَاءُ لِلْحَقِّ وَالتَّيْسِيرُ لِلْعَمَل الصَّالِحِ، لأَِنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلْخَلاَصِ مِنَ الْعَذَابِ فِي الآْخِرَةِ وَالتَّحْصِيل لِنِعَمِ اللَّهِ فِيهَا.
قَال الْحَلِيمِيُّ: وَأَوْلَى النِّعَمِ بِالشُّكْرِ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ بِالإِْيمَانِ وَالإِْرْشَادِ إِلَى الْحَقِّ، وَالتَّوْفِيقِ لِقَبُولِهِ، لأَِنَّهُ هُوَ الْغَرَضُ الَّذِي لَيْسَ بِتَابِعٍ لِمَا سِوَاهُ، وَكُل غَرَضٍ سِوَاهُ فَهُوَ تَابِعٌ لَهُ، وَالتَّيْسِيرُ لَهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَقْتَضِي الشُّكْرَ لَهَا بِالاِنْتِهَاءِ عَنِ الْمَعَاصِي وَإِتْبَاعِ الإِْيمَانِ حُقُوقَهُ؛ لأَِنَّ الإِْيمَانَ بِاللَّهِ عَهْدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَلِكُل عَهْدٍ وَفَاءٌ. وَكُل عِبَادَةٍ تَتْلُو الإِْيمَانَ مِنْ فِعْل شَيْءٍ فَهُوَ شُكْرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّيْسِيرُ لِكُل شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نِعْمَةٌ يَجِبُ شُكْرُهَا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ (1) .
8 - النَّوْعُ الثَّانِي: الشُّكْرُ عَلَى دَفْعِ النِّقَمِ سَوَاءٌ انْدَفَعَتْ عَنْهُ أَوْ عَنْ نَحْوِ وَلَدِهِ أَوْ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ كَذَهَابِ مَرَضٍ أَوِ انْحِسَارِ طَاعُونٍ أَوْ عَدُوٍّ، وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُخْشَى ضَرَرُهُ كَغَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ وَمِنْهُ قَوْل أَهْل الْجَنَّةِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (2) } .
__________
(1) المنهاج في شعب الإيمان 2 / 554.
(2) سورة فاطر / 34.

الصفحة 177