كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)
وَاحْتَجَّ النَّوَوِيُّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ أُتِيَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَال لَهُ جِبْرِيل: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ (1) .
وَإِذَا رَأَى السَّلِيمُ مُبْتَلًى فِي عَقْلِهِ وَبَدَنِهِ، سُنَّ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْعَافِيَةِ (2) ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ لِرُؤْيَةِ زَمِنٍ (3) .
وَوَرَدَ أَنَّ السَّلِيمَ يَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بِهِ (4) .
النَّوْعُ الثَّالِثُ:
الشُّكْرُ عِنْدَ الْمَكْرُوهَاتِ مِنَ الْبَلْوَى وَالْمَصَائِبِ وَالآْلاَمِ:
9 - وَهُوَ مَشْرُوعٌ، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَال اللَّهُ لِمَلاَئِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُول: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ:
__________
(1) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به أتي بقدحين من خمر ولبن ". أخرجه البخاري (الفتح 8 / 391 - ط. السلفية) ومسلم (3 / 1592 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(2) نهاية المحتاج 2 / 99، وأسنى المطالب 1 / 199، ومطالب أولي النهى 1 / 590، والأذكار للنووي ص 104.
(3) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد لرؤية زمن ". أخرجه البيهقي (2 / 371 - ط. دائرة المعارف العثمانية) وأعله بالإرسال.
(4) حديث: " الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به ". أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي 9 / 391 - 392 - ط. السلفية) من حديث أبي هريرة، وقال: " حديث حسن غريب ".
نَعَمْ. فَيَقُول: مَاذَا قَال عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُول اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ (1) .
وَوَجْهُ الشُّكْرِ عَلَيْهَا مَا فِيهَا مِنْ تَكْفِيرِ الْخَطَايَا وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَمَا فِي الصَّبْرِ عَلَيْهَا مِنَ الأَْجْرِ.
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ: يَكُونُ الشُّكْرُ كَظْمًا لِلْغَيْظِ الَّذِي أَصَابَهُ، وَسَتْرًا لِلشَّكْوَى، وَرِعَايَةً لِلأَْدَبِ، وَسُلُوكًا لِمَسْلَكِ الْعِلْمِ، لأَِنَّهُ شَاكِرٌ لِلَّهِ شُكْرَ مَنْ رَضِيَ بِقَضَائِهِ (2) .
وَلِذَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمَرِيضِ إِنْ سُئِل عَنْ حَالِهِ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ الشَّكْوَى إِلَى طَبِيبٍ. قَالُوا: لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: إِذَا كَانَ الشُّكْرُ قَبْل الشَّكْوَى فَلَيْسَ بِشَاكٍ (3) قَال الْبُهُوتِيُّ: وَكَانَ
__________
(1) حديث: " إذا مات ولد العبد. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 332 - ط. الحلبي) وقال: " حديث حسن غريب ".
(2) مدارج السالكين 2 / 254، وإحياء علوم الدين 4 / 125 - 129.
(3) حديث: " إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك ". أورده القاضي ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1 / 151 - 152 - ط. مطبعة الاعتدال بدمشق) من طريق بشر بن الحارث الذي ذكره بإسناده.
الصفحة 178