كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)

أَحْمَدُ أَوَّلاً يَحْمَدُ اللَّهَ فَقَطْ فَلَمَّا دَخَل عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ طَبِيبُ السُّنَّةِ وَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ صَارَ إِذَا سَأَلَهُ قَال: أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ، أَجِدُ كَذَا وَكَذَا (1) .

مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى:

10 - يَتَحَقَّقُ شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى النِّعْمَةِ بِأُمُورٍ:
أَوَّلُهَا: مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ، بِأَنْ يَعْرِفَ أَنَّهَا نِعْمَةٌ، وَيَعْرِفَ قَدْرَهَا وَيَعْرِفَ وَجْهَ كَوْنِهَا نِعْمَةً وَيَسْتَحْضِرَهَا فِي الذِّهْنِ وَيُمَيِّزَهَا، إِذْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ تُحْسِنُ إِلَيْهِ وَهُوَ لاَ يَدْرِي. وَقَدْ نَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَل مِنْكُمْ وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (2) .
وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِاللَّهِ، أَوْ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ النِّعَمَ مِنْهُ، لَمْ يُتَصَوَّرْ شُكْرُهُ لَهُ، وَإِذَا عَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ أَحَبَّهُ عَلَيْهَا.
وَالثَّالِثُ: قَبُول النِّعْمَةِ بِإِظْهَارِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَمَعْرِفَةِ أَنَّ وُصُولَهَا إِلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنَ الْعَبْدِ وَلاَ بَذْل ثَمَنٍ بَل
__________
(1) كشاف القناع 2 / 79.
(2) حديث: " انظروا إلى من هو أسفل منكم. . . ". أخرجه مسلم (4 / 2275 - ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة.
بِمَحْضِ فَضْل اللَّهِ تَعَالَى.
وَالرَّابِعُ: الثَّنَاءُ عَلَى الْمُنْعِمِ بِهَا، وَعَدَمُ كِتْمَانِهَا فَإِنَّ كِتْمَانَهَا كُفْرَانٌ لَهَا، وَالثَّنَاءُ إِمَّا عَامٌّ كَوَصْفِهِ تَعَالَى بِالْجُودِ وَالْكَرَمِ وَالْبِرِّ وَالإِْحْسَانِ، وَإِمَّا خَاصٌّ وَهُوَ التَّحَدُّثُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ وَإِسْنَادُ التَّفَضُّل بِهَا إِلَى الْمُنْعِمِ بِهَا، وَحَمْدُهُ عَلَيْهَا، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (1) } وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ (2) .
وَالْخَامِسُ: تَرْكُ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا يَكْرَهُهُ الْمُنْعِمُ بِهَا، وَالْعَمَل بِمَا يُرْضِيهِ فِيهَا (3) .
وَالسَّادِسُ: فِعْل الطَّاعَاتِ شُكْرًا عَلَى النِّعَمِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَل لَكُمُ الأَْرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً. . .} الآْيَةَ (4) وَوَرَدَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ. فَقِيل يَا رَسُول اللَّهِ:
__________
(1) سورة الضحى / 11.
(2) حديث: " التحدث بنعمة الله شكر ". أخرجه أحمد (4 / 278 - ط. الميمنية) من حديث النعمان بن بشير، وإسناده حسن.
(3) مدارج السالكين 2 / 244، 247 - 258، والمنهاج في شعب الإيمان 2 / 545، 546، وإحياء علوم الدين 4 / 79 نشر مصطفى الحلبي، 1358 هـ.
(4) سورة البقرة 21، 22.

الصفحة 179