كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)

فِي الشَّكِّ (1) . أَشَارَ فِي بِدَايَتِهِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمَوْضُوعَ قَدْ أَشْكَل أَمْرُهُ عَلَى جَمِيعِ الْفُضَلاَءِ، وَانْبَنَى عَلَى عَدَمِ تَحْرِيرِهِ إِشْكَالٌ آخَرُ فِي مَوَاضِعَ وَمَسَائِل كَثِيرَةٍ حَتَّى خَرَقَ بَعْضُهُمُ الإِْجْمَاعَ فِيهَا (2) .
وَالْقَوْل الْفَصْل فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ حَسَبَ رَأْيِ الْقَرَافِيِّ: " أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَ الأَْحْكَامَ وَشَرَعَ لَهَا أَسْبَابًا وَجَعَل مِنْ جُمْلَةِ مَا شَرَعَهُ مِنَ الأَْسْبَابِ الشَّكَّ، فَشَرَعَهُ - حَيْثُ شَاءَ - فِي صُوَرٍ عَدِيدَةٍ: فَإِذَا شَكَّ فِي الشَّاةِ وَالْمَيْتَةِ حَرُمَتَا مَعًا، وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ هُوَ الشَّكُّ، وَإِذَا شَكَّ فِي الأَْجْنَبِيَّةِ وَأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ حَرُمَتَا مَعًا، وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ هُوَ الشَّكُّ، وَإِذَا شَكَّ فِي عَيْنِ الصَّلاَةِ الْمَنْسِيَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ، وَسَبَبُ وُجُوبِ الْخَمْسِ هُوَ الشَّكُّ، وَإِذَا شَكَّ هَل تَطَهَّرَ أَمْ لاَ؟ وَجَبَ الْوُضُوءُ، وَسَبَبُ وُجُوبِهِ هُوَ الشَّكُّ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ النَّظَائِرِ (3) .
" فَالشَّكُّ فِي السَّبَبِ غَيْرُ السَّبَبِ فِي الشَّكِّ: فَالأَْوَّل يَمْنَعُ التَّقَرُّبَ وَلاَ يَتَقَرَّرُ مَعَهُ حُكْمٌ، وَالثَّانِي لاَ يَمْنَعُ التَّقَرُّبَ وَتَتَقَرَّرُ مَعَهُ
__________
(1) الفروق 1 / 225 - تهذيب الفروق 1 / 227 (بهامش الفروق) .
(2) المصدرين السابقين.
(3) نفس المصدرين ص 225، 226 مع تصرف طفيف. وانظر أيضًا: إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي ص 201.
الأَْحْكَامُ كَمَا هُوَ الْحَال فِي النَّظَائِرِ السَّابِقَةِ " وَلاَ نَدَّعِي أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ نَصَبَ الشَّكَّ سَبَبًا فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ بَل فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بِحَسَبِ مَا يَدُل عَلَيْهِ الإِْجْمَاعُ أَوِ النَّصُّ، وَقَدْ يُلْغِي صَاحِبُ الشَّرْعِ الشَّكَّ فَلاَ يَجْعَل فِيهِ شَيْئًا: كَمَنْ شَكَّ هَل طَلَّقَ أَمْ لاَ. فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالشَّكُّ لَغْوٌ، وَمَنْ شَكَّ فِي صَلاَتِهِ هَل سَهَا أَمْ لاَ؟ . فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَالشَّكُّ لَغْوٌ. فَهَذِهِ صُوَرٌ مِنَ الشَّكِّ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِيهَا، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى اعْتِبَارِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ.
وَقِسْمٌ ثَالِثٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَصْبِهِ سَبَبًا: كَمَنْ شَكَّ هَل أَحْدَثَ أَمْ لاَ؟ فَقَدِ اعْتَبَرَهُ مَالِكٌ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيِّ، وَمَنْ شَكَّ هَل طَلَّقَ ثَلاَثًا أَمِ اثْنَتَيْنِ؟ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ الطَّلْقَةَ الْمَشْكُوكَ فِيهَا خِلاَفًا لِلشَّافِعِيِّ، وَمَنْ حَلَفَ يَمِينًا وَشَكَّ مَا هِيَ؟ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ جَمِيعَ الأَْيْمَانِ (1) .

الشَّكُّ فِي الشَّرْطِ:
12 - الشَّرَطُ - بِفَتْحَتَيْنِ -: الْعَلاَمَةُ وَالْجَمْعُ أَشْرَاطٌ مِثْل سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ، وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، أَيْ عَلاَمَاتُهَا وَدَلاَئِلُهَا. وَالشَّرْطُ - بِسُكُونِ الرَّاءِ - يُجْمَعُ عَلَى شُرُوطٍ. تَقُول:
__________
(1) المصادر السابقة والفروق ص 226 - 227، وتهذيب الفروق بهامش الفروق 1 / 228.

الصفحة 190