كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)

فُلاَنٍ مِائَةَ دِينَارٍ - مَثَلاً - فِيمَا أَعْلَمُ أَوْ فِيمَا أَظُنُّ، أَوْ حَسَبَ ظَنِّي لَمْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لِلشَّكِّ الَّذِي دَاخَلَهَا مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى لَفْظِهَا؛ لأَِنَّ رُكْنَ الشَّهَادَةِ لَفْظُ أَشْهَدُ لاَ غَيْرُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَالْقَسَمُ وَالإِْخْبَارُ لِلْحَال فَكَأَنَّهُ يَقُول: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَا أُخْبِرُ بِهِ، وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ تَعَيَّنَ لَفْظُ أَشْهَدُ (1) .
وَقَدْ بَيَّنَ سَحْنُونٌ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - أَنَّ الشُّهُودَ لَوْ شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ بِنِكَاحٍ أَوْ إِقْرَارٍ أَوْ إِبْرَاءٍ وَسَأَل الْخَصْمُ إِدْخَالَهَا فِي نِسَاءٍ لِلتَّعَرُّفِ عَلَيْهَا مِنْ بَيْنِهِنَّ فَقَالُوا: شَهِدْنَا عَلَيْهَا عَنْ مَعْرِفَتِهَا بِعَيْنِهَا وَنَسَبِهَا وَلاَ نَدْرِي هَل نَعْرِفُهَا الْيَوْمَ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهَا فَلاَ نَتَكَلَّفُ ذَلِكَ، فَلاَ بُدَّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ - مِنَ التَّعَرُّفِ عَلَيْهَا وَإِلاَّ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ لِلشَّكِّ، أَمَّا لَوْ قَالُوا: نَخَافُ أَنْ تَكُونَ تَغَيَّرَتْ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَال لَهُمْ: إِنْ شَكَكْتُمْ وَقَدْ أَيْقَنْتُمْ أَنَّهَا ابْنَةُ فُلاَنٍ وَلَيْسَ لِفُلاَنٍ هَذَا إِلاَّ بِنْتٌ وَاحِدَةٌ مِنْ حِينِ شَهِدُوا عَلَيْهَا إِلَى الْيَوْمِ جَازَتِ الشَّهَادَةُ - فِي هَذِهِ الْحَالَةِ - وَقُبِلَتْ (2) .
وَمِمَّا تَجْدُرُ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ الشَّهَادَةَ مَعَ الشَّكِّ تَسْلُبُ صِفَةَ الْعَدَالَةِ
__________
(1) حاشية ابن عابدين على الدر المختار 4 / 513.
(2) التاج والإكليل (بهامش مواهب الجليل) 6 / 190.
لِلشَّاهِدِ (1) . وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ وَغَيْرِهِ أَكَّدَ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ لاَ تَثْبُتُ بِالشَّكِّ (2) . وَوَضَعُوا قُيُودًا لِقَبُول شَهَادَةِ السَّمَاعِ لِلشَّكِّ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُدَاخِلَهَا (3) .

الشَّكُّ فِي النَّسَبِ:
37 - أ - كُل مُطَلَّقَةٍ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَنَسَبُ وَلَدِهَا يَثْبُتُ مِنَ الزَّوْجِ إِلاَّ إِذَا عُلِمَ يَقِينًا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ لأَِكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لأَِنَّ الطَّلاَقَ قَبْل الدُّخُول يُوجِبُ انْقِطَاعَ النِّكَاحِ بِجَمِيعِ عَلاَئِقِهِ فَكَانَ النِّكَاحُ مِنْ كُل وَجْهٍ زَائِلاً بِيَقِينٍ وَمَا زَال بِيَقِينٍ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِيَقِينٍ مِثْلِهِ فَإِذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الطَّلاَقِ فَقَدْ تَيَقَّنَّا أَنَّ الْعُلُوقَ وُجِدَ فِي حَال الْفِرَاشِ وَإِنَّهُ وَطِئَهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ إِذْ لاَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ بِوَطْءٍ بَعْدَ الطَّلاَقِ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَلِدُ لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَكَانَ مِنْ وَطْءٍ وُجِدَ عَلَى فِرَاشِ الزَّوْجِ وَكَوْنُ الْعُلُوقِ فِي فِرَاشِهِ يُوجِبُ ثُبُوتَ النَّسَبِ مِنْهُ. فَإِذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَمْ يَسْتَيْقِنْ بِكَوْنِهِ مَوْلُودًا عَلَى الْفِرَاشِ لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ بِوَطْءٍ بَعْدَ الطَّلاَقِ وَالْفِرَاشُ كَانَ زَائِلاً بِيَقِينٍ فَلاَ يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ (4) .
__________
(1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 206.
(2) بدائع الصنائع 6 / 233.
(3) راجع مصطلح (شهادة) من الموسوعة الفقهية.
(4) المغني مع الشرح الكبير 6 / 400، ونهاية المحتاج للرملي 8 / 352 (مطبعة الحلبي بمصر سنة 1357 هـ) .

الصفحة 203