كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)

الإِْجَارَةُ لِلشَّمِّ:
6 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ إِجَارَةِ الشَّيْءِ كَالتُّفَّاحِ مَثَلاً لِشَمِّهِ لأَِنَّ الرَّائِحَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَنْفَعَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لأَِنَّهَا لاَ قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا (1) .
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ اسْتِئْجَارَ الْمِسْكِ وَالرَّيَاحِينِ لِلشَّمِّ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ مُتَقَوَّمَةٌ.
وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ مَا تَتْلَفُ عَيْنُهُ وَمَا لاَ تَتْلَفُ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ مَا يَبْقَى مِنَ الطِّيبِ وَالصَّنْدَل وَقِطَعِ الْكَافُورِ وَالنِّدِّ لِتَشُمَّهُ الْمَرْضَى وَغَيْرُهُمْ مُدَّةً ثُمَّ يَرُدَّهَا، لأَِنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ فَأَشْبَهَتِ الْوَزْنَ وَالتَّحَلِّي. ثُمَّ قَال: وَلاَ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مَا لاَ يَبْقَى مِنَ الرَّيَاحِينِ كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ وَأَشْبَاهِهِ لِشَمِّهَا، لأَِنَّهَا تَتْلَفُ عَنْ قُرْبٍ فَأَشْبَهَتِ الْمَطْعُومَاتِ (2) .

الْجِنَايَةُ عَلَى حَاسَّةِ الشَّمِّ:
7 - الْجِنَايَةُ عَلَى حَاسَّةِ الشَّمِّ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً. فَإِنْ كَانَ عَمْدًا كَمَنْ شَجَّ إِنْسَانًا فَذَهَبَ شَمُّهُ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنَ الْجَانِي بِمِثْل مَا فَعَل، فَإِنْ ذَهَبَ بِذَلِكَ شَمُّهُ فَقَدِ
__________
(1) ابن عابدين 5 / 21، والدسوقي 4 / 20، ومنح الجليل 3 / 776.
(2) أسنى المطالب 2 / 406، والمغني 5 / 548، 549.
اسْتَوْفَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبِ الشَّمُّ فُعِل بِالْجَانِي مَا يُذْهِبُ الشَّمَّ بِوَاسِطَةِ أَهْل الْخِبْرَةِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِذْهَابُ الشَّمِّ إِلاَّ بِجِنَايَةٍ سَقَطَ الْقَوَدُ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ.
وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَجِبُ الدِّيَةُ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُضْرَبَ الْجَانِي ضَرْبًا يَذْهَبُ بِهِ حَاسَّةُ الشَّمِّ فَلَمْ يَكُنِ اسْتِيفَاءُ الْمِثْل مُمْكِنًا فَلاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ. وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (1) .
وَإِنْ كَانَ إِبْطَال حَاسَّةِ الشَّمِّ نَتِيجَةَ ضَرْبٍ أَوْ جُرْحٍ وَقَعَ خَطَأً، أَوْ كَانَ الضَّرْبُ عَمْدًا لَكِنْ كَانَ الْجُرْحُ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً إِذَا كَانَ إِبْطَال الشَّمِّ مِنَ الْمَنْخِرَيْنِ؛ لأَِنَّهُ حَاسَّةٌ تَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةٍ فَكَانَ فِيهَا الدِّيَةُ كَسَائِرِ الْحَوَاسِّ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا وَلأَِنَّ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: وَفِي الْمَشَامِّ الدِّيَةُ (2) .
__________
(1) البدائع 7 / 309، وشرح الزرقاني 8 / 17، وجواهر الإكليل 2 / 260، والحطاب 6 / 248، ومغني المحتاج 4 / 29، وروضة الطالبين 9 / 186، وشرح منتهى الإرادات 3 / 292، وكشاف القناع 5 / 552 - 553.
(2) حديث: " في المشام الدية " ذكره الشربيني في مغني المحتاج (4 / 71 - نشر دار الفكر) وقال: " غريب " وقال ابن حجر في التلخيص (4 / 29 - ط شركة الطباعة الفنية) : " لم أجده ".

الصفحة 212