كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)

رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا، فَلاَ يَخْلُو رُجُوعُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَبْل قَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا قَبْل الْحُكْمِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُمَا، لأَِنَّ الْحَقَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْقَضَاءِ، وَالْقَاضِيَ لاَ يَقْضِي بِكَلاَمٍ مُتَنَاقِضٍ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمَا، لأَِنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَا شَيْئًا عَلَى الْمُدَّعِي، وَلاَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
49 - وَإِنْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْل التَّنْفِيذِ: فَإِنْ كَانَ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ لَمْ يَجُزِ الاِسْتِيفَاءُ وَالتَّنْفِيذُ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَالرُّجُوعُ شُبْهَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَلَمْ يَجُزِ الاِسْتِيفَاءُ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ. (1)
وَإِنْ كَانَ مَالاً أَوْ عَقْدًا اسْتَوْفَى الْمَال لأَِنَّ الْقَضَاءَ قَدْ تَمَّ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ حَتَّى يَتَأَثَّرَ بِالرُّجُوعِ؛ فَلاَ يُنْتَقَضُ الْحُكْمُ. وَعَلَى الشُّهُودِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفُوهُ بِشَهَادَتِهِمْ لإِِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَلاَ يَرْجِعُونَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ. (2)
50 - أَمَّا إِنْ رَجَعَ الشُّهُودُ بَعْدَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ: فَإِنَّهُ لاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ، لأَِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَا
__________
(1) الدر المختار 4 / 396، ومنح الجليل 4 / 288، والمغني 12 / 137، والمهذب 2 / 341
(2) المهذب 2 / 341، ومغني المحتاج 4 / 456، الهداية 3 / 132، والفتاوى الهندية 3 / 535، الشرح الكبير 12 / 113، الخرشي 4 / 220، شرح منح الجليل 4 / 284، 289 - 290
صَادِقَيْنِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَا كَاذِبَيْنِ، وَقَدِ اقْتَرَنَ الْحُكْمُ وَالاِسْتِيفَاءُ بِأَحَدِ الاِحْتِمَالَيْنِ؛ فَلاَ يُنْقَضُ بِرُجُوعٍ مُحْتَمَلٍ، (1) وَعَلَى الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَضْمَنَا مَا أَتْلَفَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا. (2)
فَإِنْ كَانَ مَا شَهِدَا بِهِ يُوجِبُ الْقَتْل، أَوِ الْحَدَّ، أَوِ الْقِصَاصَ: نُظِرَ، فَإِنْ قَالاَ تَعَمَّدْنَا لِيُقْتَل بِشَهَادَتِنَا: وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقَوَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ قَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالأَْوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ شُبْرُمَةَ (3) .
لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ أَتَيَاهُ بِرَجُلٍ آخَرَ فَقَالاَ: إِنَّا أَخْطَأْنَا بِالأَْوَّل، وَهَذَا السَّارِقُ، فَأَبْطَل شَهَادَتَهُمَا عَلَى الآْخَرِ، وَضَمَّنَهُمَا دِيَةَ يَدِ الأَْوَّل، وَقَال: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا (4) .
وَلأَِنَّهُمَا أَلْجَآهُ إِلَى قَتْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَزِمَهُمَا
__________
(1) المهذب 2 / 341، المغني 12 / 138
(2) الهداية 3 / 132
(3) حاشية الدسوقي 4 / 207، المهذب 2 / 341، المغني 12 / 136، 138، الشرح الكبير 12 / 117
(4) خبر الشعبي أن رجلين شهدا عند علي. . . . . رواه الإمام الشافعي (الأم: 7 / 49) والطحاوي (اختلاف الفقهاء: 216) ومحمد بن الحسن في كتاب الرجوع عن الشهادة (المبسوط 16 / 178) والبيهقي (السنن الكبرى 10 / 251)

الصفحة 243