كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)
أَجْدَى عَلَى الشَّرِكَةِ وَالشَّرِيكَيْنِ. حَتَّى لَوْ أَنَّهُ شَاءَ بَعْدَ هَذَا التَّرْكِ، أَنْ يُمَارِسَ حَقَّهُ فِي التَّقَبُّل، لَمْ يَكُنْ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ، فَإِذَا تَقَبَّل الْعَمَل أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بَعْدَ قِيَامِ الشَّرِكَةِ وَقَامَ بِهِ وَحْدَهُ - كَأَنْ تَقَبَّل الثَّوْبَ لِلْخِيَاطَةِ، وَقَطَعَهُ وَخَاطَهُ - فَالأَْجْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ مُنَاصَفَةً، إِنْ كَانَتِ الشَّرِكَةُ مُفَاوَضَةً، وَعَلَى مَا اتَّفَقَا إِنْ كَانَتْ عَنَانًا. ذَلِكَ أَنَّ التَّقَبُّل وَقَعَ عَنْهُمَا - إِذْ شَطْرُهُ عَنِ الشَّرِيكِ الآْخَرِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ - وَصَارَ الْعَمَل مَضْمُونًا عَلَيْهِمَا بَعْدَ التَّقَبُّل: فَانْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِهِ إِعَانَةُ مُتَبَرِّعٍ بِهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا كَانَ مِنْهُ عَلَى شَرِيكِهِ، وَالْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ (1) .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي خَلَتْ مِنْ عَمَل أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ: شَرِكَةُ قِصَارَةٍ (2) يَتَّفِقُ فِيهَا الشَّرِيكَانِ أَنْ يُقَدِّمَ أَحَدُهُمَا آلَةَ الْقِصَارَةِ، وَيَقُومَ الآْخَرُ بِالْعَمَل كُلِّهِ: تَقَبُّلاً وَإِنْجَازًا - وَلاَ شَأْنَ لِلأَْوَّل بَعْدُ، إِلاَّ فِي اقْتِسَامِ الرِّبْحِ. وَلِفَسَادِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ، تَكُونُ الأُْجْرَةُ لِلْعَامِل؛ لأَِنَّهَا اسْتُحِقَّتْ بِعَمَلِهِ، وَعَلَيْهِ لِصَاحِبِ الآْلَةِ أُجْرَةُ مِثْل آلَتِهِ.
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الصُّورَةِ
__________
(1) رد المحتار 3 / 358، الفتاوى الهندية 2 / 329.
(2) هي المعروفة الآن بالمنجلة: فقد جاء في المصباح: قصرت الثوب قصرًا بيضته، والقصارة - بالكسر - الصناعة، والفاعل قصار.
مَعَ تَصْرِيحِهِمْ - كَالْحَنَابِلَةِ - بِصِحَّةِ شَرِكَةِ الْقِصَارَةِ - وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الصِّنَاعَاتِ - عَلَى أَنْ يَعْمَل الشَّرِيكَانِ بِآلَةِ أَحَدِهِمَا، فِي بَيْتِ الآْخَرِ - وَتَكُونَ الأُْجْرَةُ بَيْنَهُمَا؛ لأَِنَّهَا بَدَلٌ عَنِ الْعَمَل، لاَ عَنْ آلَتِهِ وَمَكَانِهِ: وَكُل مَا فِي الأَْمْرِ، أَنَّ أَحَدَهُمَا أَعَانَ مُتَبَرِّعًا بِنِصْفِ الآْلَةِ، وَأَعَانَ الآْخَرُ بِنِصْفِ الْمَكَانِ، نَعَمْ إِنْ فَسَدَتِ الشَّرِكَةُ قُسِمَ مَا حَصَل لَهُمَا عَلَى قَدْرِ أَجْرِ عَمَلِهِمَا، وَأَجْرِ الدَّارِ وَالآْلَةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا قَدَّمَهُ كُل شَرِيكٍ، نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ (1) .
33 - وَكَوْنُ الشَّرِيكِ فِي شَرِكَةِ الأَْعْمَال، يَسْتَحِقُّ حِصَّتَهُ فِي الرِّبْحِ، وَلَوْ لَمْ يَعْمَل، هُوَ مَبْدَأٌ مُقَرَّرٌ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ - كَابْنِ قُدَامَةَ - مَنْ يُبْدِي احْتِمَال أَنْ يُحْرَمَ مِنْ حِصَّتِهِ فِي الرِّبْحِ مَنْ يَتْرُكُ الْعَمَل بِلاَ عُذْرٍ، لإِِخْلاَلِهِ بِمَا شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَمِمَّا قَرَّرَهُ الْمَالِكِيَّةُ - وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّ فِيهِ فَسْخًا لِلشَّرِكَةِ - أَنَّ الشَّرِيكَ يَخْتَصُّ بِمَا يَتَقَبَّلُهُ مِنْ أَعْمَال الشَّرِكَةِ - بَعْدَ طُول مَرَضِ شَرِيكِهِ، أَوْ طُول غَيْبَتِهِ - ضَمَانًا، وَعَمَلاً، وَأُجْرَةَ عَمَلٍ. بِخِلاَفِ مَا تَقَبَّلَهُ فِي حُضُورِهِ صَحِيحًا أَوْ بَعْدَ غَيْبَتِهِ أَوْ مَرَضِهِ لِفَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ (2) .
__________
(1) رد المحتار 3 / 358، بدائع الصنائع 6 / 64، مطالب أولي النهى 3 / 550.
(2) فتح القدير 5 / 33، رد المحتار 3 / 361، المغني لابن قدامة 5 / 115.
الصفحة 54