كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)

34 - أَمَّا الآْلَةُ، فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَعْتَبِرُونَهَا مُتَمِّمَةً لِلْعَمَل. فَلاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لِحِصَّةِ الشَّرِيكِ فِي الْعَمَل: بِحَيْثُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ تَقْدِيمَ ثُلُثَيِ الآْلَةِ عَلَى حِينِ أَنَّ حِصَّتَهُ فِي الْعَمَل هِيَ الثُّلُثُ أَوِ النِّصْفُ، دُونَ أَنْ يَحْسِبَ حِسَابَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ - فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الشَّرِكَةَ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ الرِّبْحِ وَالْعَمَل نَظَرًا إِلَى تَكْمِلَةِ الاِعْتِبَارِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ التَّجَاوُزُ عَنْ فَرْقٍ يَسِيرٍ يَتَبَرَّعُ بِهِ فِي الْعَقْدِ، أَمَّا التَّبَرُّعُ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَلاَ حَدَّ لَهُ. فَكَيْفَ إِذَا قَدَّمَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ آلَةَ الْعَمَل كُلَّهَا مَجَّانًا فِي الْعَقْدِ؟ عَلَى أَنَّ غَيْرَ سَحْنُونٍ وَصَحْبِهِ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - لاَ يَكْتَفُونَ بِهَذَا. بَل يَشْتَرِطُونَ أَنْ تَكُونَ الآْلَةُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ شَرِكَةَ مِلْكٍ: إِمَّا مِلْكَ عَيْنٍ، أَوْ مِلْكَ مَنْفَعَةٍ، أَوْ مِلْكَ عَيْنٍ مِنْ جَانِبٍ وَمِلْكَ مَنْفَعَةٍ مِنَ الآْخَرِ - كَمَا إِذَا كَانَتْ مِلْكًا لأَِحَدِهِمَا وَلَكِنَّهُ أَجَّرَ لِشَرِيكِهِ حِصَّةً مِنْهَا تُسَاوِي حِصَّتَهُ فِي الْعَمَل، أَوْ كَانَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا آلَةٌ هِيَ مِلْكٌ لَهُ خَاصٌّ، إِلاَّ أَنَّهُمَا تَكَارَيَا بَعْضَ هَذِهِ بِبَعْضِ تِلْكَ فِي حُدُودِ النِّسْبَةِ الْمَطْلُوبَةِ. بَل إِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَيُحَتِّمُ أَنْ يَكُونَا فِي ضَمَانِ الآْلَةِ سَوَاءً: فَلاَ يَسُوغُ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ رَقَبَةٍ لأَِحَدِهِمَا، وَمِلْكِ مَنْفَعَةٍ لِلآْخَرِ.
وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةُ يُوَافِقُونَ عَلَى الْحُكْمِ بِالْفَسَادِ
فِي حَالَةِ اشْتِرَاطِ الْعَمَل عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ. لَكِنِ اخْتَارَ ابْنُ قُدَامَةَ الصِّحَّةَ، وَقَال: إِنَّهُ قِيَاسُ نَصِّ أَحْمَدَ وَالأَْوْزَاعِيِّ فِيمَنْ دَفَعَ دَابَّتَهُ إِلَى آخَرَ لِيَعْمَل عَلَيْهَا وَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا. وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (1) .
وَالشَّافِعِيَّةُ يُطْلِقُونَ الْقَوْل بِالْفَسَادِ: سَوَاءٌ اشْتُرِطَ الْعَمَل عَلَى الْجَمِيعِ أَمْ عَلَى بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ؛ لأَِنَّ هَذِهِ أَمْوَالٌ مُتَمَايِزَةٌ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تَجْمَعَهَا شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ. فَتُطَبَّقُ أَحْكَامُ الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ (2) .
35 - الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَمَل الْمُشْتَرَكُ فِيهِ يُمْكِنُ اسْتِحْقَاقُهُ بِعَقْدِ الإِْجَارَةِ: كَالنِّسَاجَةِ وَالصِّبَاغَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَكَالصِّيَاغَةِ وَالْحِدَادَةِ وَالنِّجَارَةِ، وَكَتَعْلِيمِ الْكِتَابَةِ أَوِ الْحِسَابِ أَوِ الطِّبِّ أَوِ الْهَنْدَسَةِ أَوِ الْعُلُومِ الأَْدَبِيَّةِ - وَكَذَلِكَ، عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ اسْتِحْسَانًا تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ - وَإِنْ كَانَ الأَْصْل فِيهَا عَدَمُ صِحَّةِ الإِْجَارَةِ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْقُرَبِ.
أَمَّا مَا لاَ يُسْتَحَقُّ بِعَقْدِ الإِْجَارَةِ، فَلاَ تَصِحُّ فِيهِ شَرِكَةُ الأَْعْمَال. وَهَذَا يَنْتَظِمُ جَمِيعَ الْمَحْظُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ: كَالنِّيَاحَةِ عَلَى الْمَوْتَى،
__________
(1) الخرشي على خليل 4 / 268، 270 - 271، بلغة السالك 2 / 172، مطالب أولي النهى 3 / 550، المغني 5 / 17.
(2) بداية المجتهد 2 / 226، مغني المحتاج 2 / 216.

الصفحة 55