كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)

الْفَتْوَى وَلَكِنَّهُمْ قَيَّدُوهَا مِنَ النَّاحِيَةِ الْقَضَائِيَّةِ - بِمَا إِذَا كَانَ الأَْمِينُ مَعْرُوفًا بِالأَْمَانَةِ فِي وَاقِعِ الأَْمْرِ، وَإِلاَّ فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِالتَّفْصِيل وَيُهَدِّدُهُ الْقَاضِي إِنْ لَمْ يَفْعَل. بَيْدَ أَنَّهُ إِنْ أَصَرَّ عَلَى الإِْجْمَال فَلاَ سَبِيل عَلَيْهِ وَرَاءَ يَمِينِهِ (1) .
وَهَكَذَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ، إِذْ يَنُصُّونَ عَلَى أَنَّ الشَّرِيكَ إِذَا ادُّعِيَتْ عَلَيْهِ خِيَانَةٌ فَالأَْصْل عَدَمُهَا (2) .
وَمِنَ التَّعَدِّي: مُخَالَفَةُ نَهْيِ شَرِيكِهِ: فَإِنَّ كُل مَا لِلشَّرِيكِ فِعْلُهُ مِنْ كَيْفِيَّاتِ التَّصَرُّفِ إِذَا نَهَاهُ عَنْهُ شَرِيكُهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ - فَإِذَا خَالَفَهُ ضَمِنَ حِصَّةَ شَرِيكِهِ: كَمَا لَوْ قَال لَهُ: لاَ تَرْكَبِ الْبَحْرَ بِمَال التِّجَارَةِ، فَرَكِبَ، أَوْ لاَ تَبِعْ إِلاَّ نَقْدًا، فَبَاعَ نَسِيئَةً (3) .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ الْحَنَابِلَةُ: إِذْ يَقُولُونَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلشَّرِيكِ بَيْعُ النَّسِيئَةِ فَبَاعَهُ، كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلاً؛ لأَِنَّهُ وَقَعَ بِلاَ إِذْنٍ - إِلاَّ إِذَا جَرَيْنَا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ مَوْقُوفٌ، فَيَكُونُ مَوْقُوفًا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ - مِنْهُمُ الصِّحَّةَ مَعَ الضَّمَانِ - إِلاَّ أَنَّهُ ضَمَانُ الثَّمَنِ، بِخِلاَفِهِ فِي قَوْل الْبُطْلاَنِ،
__________
(1) رد المحتار 3 / 357، 438، الإتحاف بأشباه ابن نجيم 337، رد المحتار 3 / 357.
(2) المهذب 1 / 345، بداية المجتهد 2 / 280، المغني والشرح الكبير 5 / 129.
(3) وانظر استدراك ابن عابدين عليه في المسألة الأولى، دون جدوى (رد المحتار 3 / 357) .
فَإِنَّهُ ضَمَانُ الْقِيمَةِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ هُوَ ضَمَانَ الْقِيمَةِ عَلَى كُل حَالٍ - لأَِنَّهُ لَمْ يَفُتْ مِنَ الْمَال سِوَاهَا (1) .
وَمِنَ التَّعَدِّي أَنْ يَحْمِل نَصِيبَ شَرِيكِهِ حَتَّى يَمُوتَ، فَإِنْ مَاتَ دُونَ أَنْ يُبَيِّنَ حَال نَصِيبِ شَرِيكِهِ: هَل اسْتَوْفَاهُ شَرِيكُهُ، أَوْ ضَاعَ، أَوْ تَلِفَ بِتَعَدٍّ، أَوْ بِدُونِهِ، أَمْ لاَ؟ وَهَل هُوَ عَيْنٌ عِنْدَهُ أَمْ عِنْدَ غَيْرِهِ أَمْ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ؟ فَإِنَّهُ إِذَنْ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فِي مَال تَرِكَتِهِ - إِلاَّ إِذَا عَرَفَهُ الْوَارِثُ، وَبَرْهَنَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ إِيَّاهُ، وَبَيَّنَ بِمَا يَنْفِي ضَمَانَهُ. وَهَذَا هُوَ مُفَادُ قَوْل ابْنِ نُجَيْمٍ فِي الأَْشْبَاهِ: " وَمَعْنَى مَوْتِهِ مُجَهِّلاً، أَنْ لاَ يُبَيِّنَ حَال الأَْمَانَةِ، وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ وَارِثَهُ لاَ يَعْلَمُهَا ". (2)
وَقَدْ عَبَّرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَنِ التَّجْهِيل الْمَذْكُورِ بِتَرْكِ الإِْيصَاءِ. لَكِنَّهُمْ فِيهِ أَشَدُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِذْ لاَ يُعْفِي الشَّرِيكَ مِنَ الضَّمَانِ عِنْدَهُمْ أَنْ يُوصِيَ إِلَى وَارِثِهِ بِمَا لَدَيْهِ لِشَرِيكِهِ، بَل لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ إِلَى الْقَاضِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِلَى أَمِينٍ مَعَ الإِْشْهَادِ عَلَيْهَا (3) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَكَالْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ أَنَّهُمْ يُسْقِطُونَ الضَّمَانَ بِمُضِيِّ عَشْرِ سِنِينَ، وَيَقُولُونَ يُحْمَل
__________
(1) المغني لابن قدامة 5 / 150، 151.
(2) الإتحاف بأشباه ابن نجيم 415.
(3) البجيرمي على المنهج 3 / 293، الفروع 2 / 787.

الصفحة 59