كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 26)
بِمَال الشَّرِكَةِ. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الصَّاحِبَيْنِ.
وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِهِ هَذَا أَنْ لاَ تَصِحَّ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ تَبَعًا لِشَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ: أَيْ أَلاَّ يَصِحَّ لأَِحَدِ شَرِيكَيِ الْمُفَاوَضَةِ - بِدُونِ إِذْنِ شَرِيكِهِ - أَنْ يُفَاوِضَ ثَالِثًا؛ لأَِنَّ الشَّيْءَ لاَ يَسْتَتْبِعُ مِثْلَهُ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ (1) . وَاعْتَمَدَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ - إِلاَّ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا عَدَمَ صِحَّةِ الْمُفَاوَضَةِ مِنَ الْمُفَاوِضِ بِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَنَانًا، وَمَا يَخُصُّ الَّذِي أَحْدَثَهَا - وَلَوْ مَعَ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ - مِنْ رِبْحِهَا، يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ الأَْوَّل (2) .
وَلَمْ يَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مَانِعًا مِنْ أَنْ يُفَاوِضَ الْمُفَاوِضُ أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَلَمْ يَجْعَل لِلْمُفَاوِضِ أَنْ يُفَاوِضَ، وَلاَ أَنْ يُشَارِكَ شَرِكَةَ عَنَانٍ؛ لأَِنَّهُ فِي كِلَيْهِمَا تَغْيِيرُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الَّذِي تَمَّتْ بِهِ الشَّرِكَةُ الأُْولَى - إِذْ يُوجِبُ لِلشَّرِيكِ الْجَدِيدِ حَقًّا فِي مَال الشَّرِكَةِ لَمْ يَكُنْ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ بِدُونِ تَرَاضِي الشُّرَكَاءِ (3) .
وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ وِفَاقُ أَبِي حَنِيفَةَ (4) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ جَعَلُوا لِلْمُفَاوِضِ أَنْ يُفَاوِضَ، أَوْ يَعْقِدَ أَيَّةَ شَرِكَةٍ أُخْرَى - فِي
__________
(1) فتح القدير 5 / 26، بدائع الصنائع 6 / 74.
(2) الفتاوى الهندية 2 / 313، رد المحتار 3 / 356.
(3) بدائع الصنائع 6 / 74، فتح القدير 5 / 27.
(4) مطالب أولي النهى 3 / 506.
بَعْضِ مَال الشَّرِكَةِ، لاَ فِي جَمِيعِهِ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْبَعْضُ عَلَى التَّعْيِينِ لاَ عَلَى الشُّيُوعِ: كَمَا لَوْ أَفْرَدَ مِائَةَ دِينَارٍ مِنْ مَال الشَّرِكَةِ، وَجَاءَ الأَْجْنَبِيُّ بِمِائَةِ دِينَارٍ مِثْلِهَا، وَجَعَلاَ يَتَّجِرَانِ فِي الْمِائَتَيْنِ جَمِيعًا، وَلاَ شَأْنَ لِهَذَا الأَْجْنَبِيِّ بِسَائِرِ مَال الشَّرِكَةِ الأُْولَى (1) .
أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بِشَرِكَةِ الْعَنَانِ:
71 - أَوَّلاً - لَيْسَ كُل مَا يَشْتَرِيهِ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ يَكُونُ لِلشَّرِكَةِ: لأَِنَّ الشَّرِيكَ الَّذِي لَيْسَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ رَأْسِ مَال الشَّرِكَةِ، لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا شَيْئًا مَا بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ. بَل يَكُونُ مَا يَشْتَرِيهِ حِينَئِذٍ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ خَارِجَ الشَّرِكَةِ. وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّرِكَةِ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الاِسْتِدَانَةِ، وَاسْتِدَانَةُ شَرِيكِ الْعَنَانِ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَجَاوُزِ مِقْدَارِ رَأْسِ الْمَال الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (2) .
كَذَلِكَ الشَّرِيكُ الَّذِي كُل مَا بِيَدِهِ مِنْ مَال الشَّرِكَةِ عُرُوضٌ (غَيْرُ نَقْدٍ) أَوْ مَعَهَا نَاضٌّ لاَ يَفِي بِالثَّمَنِ، لاَ تَمْضِي لِلشَّرِكَةِ صَفْقَتُهُ الْمُشْتَرَاةُ بِالنَّقْدِ (أَعْنِي الأَْثْمَانَ) وَأَيْضًا الشَّرِيكُ الَّذِي يَشْتَرِي لِلشَّرِكَةِ نَوْعًا آخَرَ غَيْرَ النَّوْعِ الَّذِي انْحَصَرَتْ فِيهِ تِجَارَةُ الشَّرِكَةِ
__________
(1) الخرشي على خليل وحواشيه 4 / 259.
(2) بدائع الصنائع 6 / 68، 72، رد المحتار 3 / 355.
الصفحة 72