كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 27)
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكِ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ قَال: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَال: صَل الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَل، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ (1) .
وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ، مِنْ حَيْثُ طَلَبُ الإِْعَادَةِ لِتَحْصِيل الْفَضْل - وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ مِنِ اسْتِحْبَابِ الإِْعَادَةِ - فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ تُعَادُ صَلاَةُ الْمَغْرِبِ؛ لأَِنَّ التَّنَفُّل بِالثَّلاَثِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ مَكْرُوهٌ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، فَإِذَا أَعَادَهَا شَفَعَ بِجَعْلِهَا أَرْبَعًا أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى اثْنَتَيْنِ، وَتَصِيرُ نَافِلَةً، كَمَنْ دَخَل مَعَ الإِْمَامِ فِي ثَانِيَةِ الْمَغْرِبِ، أَمَّا إِنْ أَتَمَّ مَعَ الإِْمَامِ الثَّلاَثَ سَهْوًا لاَ يُسَلِّمُ مَعَهُ، وَأَتَى بِرَابِعَةٍ وُجُوبًا، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ عَدَمَ إِعَادَةِ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ؛ لِكَرَاهَةِ النَّفْل بَعْدَهُمَا، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ أَوْتَرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَلاَ يُعِيدُ الْعِشَاءَ، لأَِنَّهُ إِنْ أَعَادَ الْوِتْرَ لَزِمَ مُخَالَفَةُ
__________
(1) حديث أبي ذر: " كيف أنت إذا كانت عليك أمراء. . . ". أخرجه مسلم (4 / 448 - ط. الحلبي) .
قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ (1) ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ لَزِمَ مُخَالَفَةُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ وِتْرًا (2) .
وَالصَّلاَةُ الْمُعَادَةُ تَكُونُ نَافِلَةً، وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ؛ لأَِنَّ الْفَرْضَ لاَ يَتَكَرَّرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُفَوِّضُ فِي الثَّانِيَةِ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي قَبُول أَيٍّ مِنَ الصَّلاَتَيْنِ لِفَرْضِهِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ (3) .
وَقَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ: تَكُونُ الْمُعَادَةُ مَعَ الْجَمَاعَةِ هِيَ الْمَكْتُوبَةَ؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ بْنِ الأَْسْوَدِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَال: إِذَا جِئْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَوَجَدْتَ النَّاسَ فَصَل مَعَهُمْ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً
__________
(1) ابن عابدين 1 / 479، 480، والبدائع 1 / 287 والهداية مع شروحها فتح القدير والعناية 1 / 412، نشر دار إحياء التراث والدسوقي 1 / 320 - 321، والحطاب 2 / 84 - 85، والمهذب 1 / 102، وأسنى المطالب 1 / 212، والمغنى 2 / 111 - 113، وكشاف القناع 1 / 458. وحديث: " لا وتران في ليلة. . . ". أخرجه الترمذي (2 / 334 - ط. الحلبي) . وقال حديث حسن من حديث طلق بن علي.
(2) حديث: " اجعلوا آخر صلاتكم وترا ". أخرجه البخارى (الفتح 2 / 488 - ط. السلفية) ومسلم (1 / 518 - ط. الحلبي) . في حديث ابن عمر.
(3) الهداية مع فتح القدير 1 / 412، والدسوقي 1 / 320 - 321، والمهذب 1 / 102، والمغنى 2 / 113 - 114.
الصفحة 174