كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 27)
النَّاسَ إِذَا عَلِمُوا أَنَّهُمْ تَفُوتُهُمُ الْجَمَاعَةُ يَسْتَعْجِلُونَ، فَتَكْثُرُ الْجَمَاعَةُ، وَإِذَا عَلِمُوا أَنَّهَا لاَ تَفُوتُهُمْ يَتَأَخَّرُونَ؛ فَتَقِل الْجَمَاعَةُ، وَتَقْلِيل الْجَمَاعَةِ مَكْرُوهٌ، وَهَذَا رَأْيُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - فِي الْجُمْلَةِ، إِذْ هُنَاكَ بَعْضُ الْقُيُودِ مَعَ شَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيل لِكُل مَذْهَبٍ. فَالْحَنَفِيَّةُ يُقَيِّدُونَ كَرَاهَةَ التَّكْرَارِ بِمَا إِذَا صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْحَيِّ أَهْلُهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، فَإِذَا صَلَّى فِيهِ أَوَّلاً غَيْرُ أَهْلِهِ أَوْ صَلَّى فِيهِ أَهْلُهُ بِدُونِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لاَ يُكْرَهُ تَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ.
كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّكْرَارُ إِذَا كَانَتِ الْجَمَاعَةُ الثَّانِيَةُ كَثِيرَةً، فَأَمَّا إِذَا كَانُوا ثَلاَثَةً أَوْ أَرْبَعَةً، فَقَامُوا فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْمَسْجِدِ وَصَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ فَلاَ يُكْرَهُ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّكْرَارُ إِذَا كَانَتِ الْجَمَاعَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى سَبِيل التَّدَاعِي وَالاِجْتِمَاعِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فَلاَ يُكْرَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْجَمَاعَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى الْهَيْئَةِ الأُْولَى لاَ تُكْرَهُ، وَإِلاَّ تُكْرَهُ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - وَبِالْعُدُول عَنِ الْمِحْرَابِ تَخْتَلِفُ الْهَيْئَةُ.
وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لِلإِْمَامِ الرَّاتِبِ الْجَمْعُ - يَعْنِي أَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَةً - إِنْ جَمَعَ غَيْرُهُ قَبْلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِنْ لَمْ يُؤَخِّرْ عَنْ عَادَتِهِ كَثِيرًا، فَإِنْ أَذِنَ لأَِحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ مَكَانَهُ، أَوْ أَخَّرَ عَنْ
عَادَتِهِ تَأْخِيرًا كَثِيرًا يَضُرُّ بِالْمُصَلِّينَ فَجَمَعُوا، كُرِهَ لِلإِْمَامِ الْجَمْعُ حِينَئِذٍ. وَبِنَاءً عَلَى كَرَاهَةِ إِعَادَةِ الصَّلاَةِ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَهُ إِمَامٌ رَاتِبٌ فَإِنَّهُ إِذَا دَخَل جَمَاعَةٌ الْمَسْجِدَ بَعْدَمَا صَلَّى أَهْلُهُ فِيهِ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُصَلُّونَ وُحْدَانًا.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُنْدَبُ خُرُوجُهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ لِيَجْمَعُوا خَارِجَهُ، أَوْ مَعَ إِمَامٍ رَاتِبٍ آخَرَ، وَلاَ يُصَلُّونَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ أَفْذَاذًا؛ لِفَوَاتِ فَضْل الْجَمَاعَةِ، إِلاَّ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ (مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالأَْقْصَى) ، فَلاَ يَخْرُجُونَ إِذَا وَجَدُوا الإِْمَامَ قَدْ صَلَّى وَيُصَلُّونَ فِيهَا أَفْذَاذًا؛ لِفَضْل فَذِّهَا عَلَى جَمَاعَةِ غَيْرِهَا، وَهَذَا إِنْ دَخَلُوهَا فَوَجَدُوا الرَّاتِبَ قَدْ صَلَّى، وَأَمَّا إِنْ عَلِمُوا بِصَلاَتِهِ قَبْل دُخُولِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَجْمَعُونَ خَارِجَهَا، وَلاَ يَدْخُلُونَهَا لِيُصَلُّوا أَفْذَاذًا.
وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ كَرَاهَةَ إِعَادَةِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَهُ إِمَامٌ رَاتِبٌ، قَالُوا: وَمَنْ حَضَرَ وَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَنْ صَلَّى اسْتُحِبَّ لِبَعْضِ مَنْ حَضَرَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ؛ لِيَحْصُل لَهُ فَضْل الْجَمَاعَةِ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلاً جَاءَ، وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ (1) .
__________
(1) حديث أبي سعيد الخدري تقدم تخريجه ف / 10.
الصفحة 176