كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 27)

7 - الشَّرْطُ الأَْوَّل: اشْتَرَطَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ (مِصْرًا) وَالْمَقْصُودُ بِالْمِصْرِ كُل بَلْدَةٍ نُصِبَ فِيهَا قَاضٍ تُرْفَعُ إِلَيْهِ الدَّعَاوَى وَالْخُصُومَاتُ.
قَال فِي الْمَبْسُوطِ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِي بَيَانِ حَدِّ الْمِصْرِ الْجَامِعِ: أَنْ يَكُونَ فِيهِ سُلْطَانٌ، أَوْ قَاضٍ لإِِقَامَةِ الْحُدُودِ وَتَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ (1) .
وَيَلْحَقُ بِالْمِصْرِ ضَاحِيَتُهُ أَوْ فِنَاؤُهُ، وَضَوَاحِي الْمِصْرِ هِيَ الْقُرَى الْمُنْتَشِرَةُ مِنْ حَوْلِهِ وَالْمُتَّصِلَةُ بِهِ وَالْمَعْدُودَةُ مِنْ مَصَالِحِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مِنَ الْقُرْبِ مَا يُمَكِّنُ أَهْلَهَا مِنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ الرُّجُوعِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِي نَفْسِ الْيَوْمِ بِدُونِ تَكَلُّفٍ (2) .
وَعَلَى هَذَا، فَمَنْ كَانُوا يُقِيمُونَ فِي قَرْيَةٍ نَائِيَةٍ، لاَ يُكَلَّفُونَ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ، وَإِذَا أَقَامُوهَا لَمْ تَصِحَّ مِنْهُمْ. قَال صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: الْمِصْرُ الْجَامِعُ شَرْطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ، وَشَرْطُ صِحَّةِ أَدَائِهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا، حَتَّى لاَ تَجِبَ الْجُمُعَةُ إِلاَّ عَلَى أَهْل الْمِصْرِ وَمَنْ كَانَ سَاكِنًا فِي تَوَابِعِهِ، وَكَذَا لاَ يَصِحُّ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ إِلاَّ فِي الْمِصْرِ وَتَوَابِعِهِ.
فَلاَ تَجِبُ عَلَى أَهْل الْقُرَى الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ
__________
(1) المبسوط 2 / 23.
(2) راجع بدائع الصنائع 1 / 260، والمبسوط 2 / 24، مجمع الأنهر 1 / 162.
تَوَابِعِ الْمِصْرِ، وَلاَ يَصِحُّ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ فِيهَا (1) .
وَلَمْ تَشْتَرِطِ الْمَذَاهِبُ الأُْخْرَى هَذَا الشَّرْطَ.
فَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَاكْتَفَوْا بِاشْتِرَاطِ إِقَامَتِهَا فِي خُطَّةِ أَبْنِيَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ، قَال صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ: لاَ تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إِلاَّ فِي أَبْنِيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ مِنْ بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ (2) .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَلَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ أَيْضًا، وَصَحَّحُوا إِقَامَتَهَا فِي الصَّحَارِي، وَبَيْنَ مَضَارِبِ الْخِيَامِ. قَال صَاحِبُ الْمُغْنِي:
وَلاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ إِقَامَتُهَا فِي الْبُنْيَانِ وَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِيمَا قَارَبَهُ مِنَ الصَّحْرَاءِ (3) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنَّمَا شَرَطُوا أَنْ تُقَامَ فِي مَكَان صَالِحٍ لِلاِسْتِيطَانِ. فَتَصِحُّ إِقَامَتُهَا فِي الأَْبْنِيَةِ، أَوِ الأَْخْصَاصِ؛ لِصَلاَحِهَا لِلاِسْتِيطَانِ فِيهَا مُدَّةً طَوِيلَةً. وَلاَ تَصِحُّ فِي الْخِيَمِ لِعَدَمِ صَلاَحِيَّتِهَا لِذَلِكَ فِي الْغَالِبِ.
قَال فِي الْجَوَاهِرِ الزَّكِيَّةِ فِي تَعْدَادِ شُرُوطِهَا: مَوْضِعُ الاِسْتِيطَانِ، وَلَوْ كَانَ بِأَخْصَاصٍ لاَ خِيَمٍ، فَلاَ تُقَامُ الْجُمُعَةُ إِلاَّ فِي مَوْضِعٍ يُسْتَوْطَنُ فِيهِ بِأَنْ يُقِيمَ فِيهِ صَيْفًا وَشِتَاءً (4) .
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 259.
(2) المهذب مع المجموع 4 / 501.
(3) المغني لابن قدامة 2 / 275.
(4) الجواهر الزكية ص 123.

الصفحة 196