كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 27)

8 - وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ: أَنَّ أَصْحَابَ الْقُرَى الَّتِي لاَ تُعْتَبَرُ تَابِعَةً لِمِصْرٍ إِلَى جَانِبِهَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ - عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ - إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَلاَ يُكَلَّفُونَ بِالاِنْتِقَال لَهَا إِلَى أَيِّ بَلْدَةٍ كَبِيرَةٍ أُخْرَى مِنْ حَوْلِهِمْ.
أَمَّا فِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ: فَلاَ يُكَلَّفُونَ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَال، وَإِذَا أَقَامُوهَا لَمْ تَصِحَّ مِنْهُمْ. وَيَجِبُ عَلَيْهِمُ الاِنْتِقَال إِلَى الْبَلْدَةِ الْمُجَاوِرَةِ إِذَا سُمِعَ مِنْهَا الأَْذَانُ.

9 - الشَّرْطُ الثَّانِي: وَاشْتَرَطَهُ الْحَنَفِيَّةُ، إِذْنُ السُّلْطَانِ بِذَلِكَ، أَوْ حُضُورُهُ، أَوْ حُضُورُ نَائِبٍ رَسْمِيٍّ عَنْهُ، إِذْ هَكَذَا كَانَ شَأْنُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُهُودِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.
هَذَا إِذَا كَانَ ثَمَّةَ إِمَامٌ أَوْ نَائِبٌ عَنْهُ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا، لِمَوْتٍ أَوْ فِتْنَةٍ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ، وَحَضَرَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ كَانَ لِلنَّاسِ حِينَئِذٍ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ لِيَتَقَدَّمَهُمْ فَيُصَلِّيَ بِهِمُ الْجُمُعَةَ (1) .
أَمَّا أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى فَلَمْ يَشْتَرِطُوا لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ أَوْ وُجُوبِهَا شَيْئًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالسُّلْطَانِ، إِذْنًا أَوْ حُضُورًا أَوْ إِنَابَةً.
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 261.
10 - الشَّرْطُ الثَّالِثُ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَوُجُوبِهَا مَعًا: دُخُول الْوَقْتِ، وَوَقْتُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - هُوَ وَقْتُ الظُّهْرِ، فَلاَ يَثْبُتُ وُجُوبُهَا، وَلاَ يَصِحُّ أَدَاؤُهَا إِلاَّ بِدُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ، وَيَسْتَمِرُّ وَقْتُهَا إِلَى دُخُول وَقْتِ الْعَصْرِ، فَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ سَقَطَتِ الْجُمُعَةُ وَاسْتُبْدِل بِهَا الظُّهْرُ؛ لأَِنَّ الْجُمُعَةَ صَلاَةٌ لاَ تُقْضَى بِالتَّفْوِيتِ. وَيُشْتَرَطُ دُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ مِنِ ابْتِدَاءِ الْخُطْبَةِ، فَلَوِ ابْتَدَأَ الْخَطِيبُ الْخُطْبَةَ قَبْلَهُ لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ وَقَعَتِ الصَّلاَةُ دَاخِل الْوَقْتِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ هُوَ أَوَّل وَقْتِ صَلاَةِ الْعِيدِ (1) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانٍ: " شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلاَتُهُ قَبْل نِصْفِ النَّهَارِ (2) ، وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ: كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا حِينَ
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 269، ومجمع الأنهر 1 / 161، والروض المربع شرح زاد المستقنع للبهوتي، وحاشية ابن قاسم 2 / 433، 425، ومغني المحتاج 1 / 279، وحاشية الدسوقي 1 / 372.
(2) حديث عبد الله بن سيدان: " شهدت الجمعة مع أبي بكر ". أخرجه الدارقطني (2 / 17 - ط. دار المحاسن) وأعله ابن حجر في الفتح (2 / 387 - ط. السلفية) بجهالة عبد الله ابن سيدان.

الصفحة 197