كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 27)

فَيُفَرِّقُ الإِْمَامُ الْجَيْشَ إِلَى فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٍ تَحْمِل فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَفِرْقَةٍ يَنْحَازُ بِهَا إِلَى حَيْثُ لاَ تَبْلُغُهُمْ سِهَامُ الْعَدُوِّ، فَيَفْتَتِحُ بِهِمُ الصَّلاَةَ، وَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً فِي الثُّنَائِيَّةِ: الصُّبْحِ وَالْمَقْصُورَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ فِي الثُّلاَثِيَّةِ وَالرُّبَاعِيَّةِ، هَذَا الْقَدْرُ مِنْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَفْعَل بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ فِي الثُّنَائِيَّةِ، وَإِلَى الثَّالِثَةِ فِي الثُّلاَثِيَّةِ وَالرُّبَاعِيَّةِ خَرَجَ الْمُقْتَدُونَ عَنْ مُتَابَعَتِهِ، وَأَتَمُّوا الصَّلاَةَ لأَِنْفُسِهِمْ، وَذَهَبُوا إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْحَارِسَةُ. وَيُطِيل الإِْمَامُ إِلَى لُحُوقِهِمْ، فَإِذَا لَحِقُوهُ صَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ فِي الثُّنَائِيَّةِ، وَالثَّالِثَةَ فِي الثُّلاَثِيَّةِ، وَالثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ مِنْ صَلاَتِهِ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا وَأَتَمُّوا الصَّلاَةَ، وَالإِْمَامُ يَنْتَظِرُهُمْ، فَإِذَا لَحِقُوهُ سَلَّمَ بِهِمْ.
إِلاَّ أَنَّ مَالِكًا قَال: يُسَلِّمُ الإِْمَامُ وَلاَ يَنْتَظِرُهُمْ، فَإِذَا سَلَّمَ قَضَوْا مَا فَاتَهُمْ مِنَ الصَّلاَةِ مِنْ رَكْعَةٍ، أَوْ رَكْعَتَيْنِ بِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ جَهْرًا فِي الْجَهْرِيَّةِ.
وَقَدِ اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ هَذِهِ الصِّفَةَ لِسَلاَمَتِهَا مِنْ كَثْرَةِ الْمُخَالَفَةِ وَلأَِنَّهَا أَحْوَطُ لأَِمْرِ
الْحَرْبِ، وَأَقَل مُخَالَفَةً لِقَاعِدَةِ الصَّلاَةِ (1) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ لَمْ يُتِمَّ الْمُقْتَدُونَ بِهِ الصَّلاَةَ بَل يَذْهَبُونَ إِلَى مَكَانِ الْفِرْقَةِ الْحَارِسَةِ وَهُمْ فِي الصَّلاَةِ فَيَقِفُونَ سُكُوتًا، وَتَأْتِي تِلْكَ الطَّائِفَةُ وَتُصَلِّي مَعَ الإِْمَامِ رَكْعَتَهُ الثَّانِيَةَ فَإِذَا سَلَّمَ ذَهَبَتْ إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَجَاءَ الأَْوَّلُونَ إِلَى مَكَانِ الصَّلاَةِ وَأَتَمُّوا أَفْذَاذًا، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُْخْرَى، وَصَلَّوْا مَا بَقِيَ لَهُمْ مِنَ الصَّلاَةِ وَتَشَهَّدُوا وَسَلَّمُوا (2) .
وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
7 - الثَّانِي: أَنْ يَجْعَل الإِْمَامُ الْجَيْشَ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَفِرْقَةً يُحْرِمُ بِهَا، وَيُصَلِّي بِهِمْ جَمِيعَ الصَّلاَةِ، رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ، أَمْ ثَلاَثًا، أَمْ أَرْبَعًا، فَإِذَا سَلَّمَ بِهِمْ ذَهَبُوا إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَجَاءَتِ الْفِرْقَةُ الأُْخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاَةَ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَتَكُونُ لَهُ نَافِلَةً، وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ، وَهَذِهِ صَلاَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَطْنِ نَخْلٍ، وَتُنْدَبُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَكَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ وَالْعَدُوُّ قَلِيلٌ وَخِيفَ هُجُومُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (3) وَلاَ يَقُول بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ مِنَ الأَْئِمَّةِ
__________
(1) روضة الطالبين 2 / 52، المغني 2 / 402، الشرح الصغير 2 / 2 عيسى البابي الحلبي.
(2) البدائع 1 / 242، الهداية 1 / 85، فتح القدير 2 / 64.
(3) روضة الطالبين 2 / 49، المجموع 4 / 407، المحلى على المنهاج 1 / 297، أسنى المطالب 1 / 270، المغني 2 / 412.

الصفحة 217