كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 27)
وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَْحَادِيثِ وَالآْثَارِ. فَالآْيَةُ الْكَرِيمَةُ دَلَّتْ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقَصْرِ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ، وَدَلَّتِ الأَْحَادِيثُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي حَالَتَيِ الْخَوْفِ وَالأَْمْنِ. وَقَدْ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقَصْرِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْقَصْرِ:
16 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ جَائِزٌ تَخْفِيفًا عَلَى الْمُسَافِرِ؛ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ غَالِبًا، وَاسْتَدَلُّوا بِالآْيَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (1) فَقَدْ عَلَّقَ الْقَصْرَ عَلَى الْخَوْفِ؛ لأَِنَّ غَالِبَ أَسْفَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَخْل مِنْهُ. وَنَفْيُ الْجُنَاحِ فِي الآْيَةِ يَدُل عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ، لاَ عَلَى وُجُوبِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ السَّابِقِ: " صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ (2) ".
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّ فَرْضَ الْمُسَافِرِ مِنْ ذَوَاتِ الأَْرْبَعِ رَكْعَتَانِ لاَ غَيْرُ، فَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ عِنْدَهُمْ أَنْ يُتِمَّ الصَّلاَةَ أَرْبَعًا؛ لِقَوْل عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: " فُرِضَتِ الصَّلاَةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ
__________
(1) سورة النساء / 101، وانظر المهذب 1 / 101 وكشاف القناع 1 / 324.
(2) حديث: " صدقة. . . " تقدم تخريجه ف13.
فِي صَلاَةِ الْحَضَرِ (1) . وَلاَ يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلاَّ تَوْقِيفًا (2) ، وَقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل فَرَضَ الصَّلاَةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ وَعَلَى الْمُقِيمِ أَرْبَعًا، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً (3) .
وَالرَّاجِحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلاَةَ، بَل الْمَنْقُول عَنْهُ الْقَصْرُ فِي كُل أَسْفَارِهِ، وَمَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُ فَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى فِي الْمَذْهَبِ فَقِيل: إِنَّهُ فَرْضٌ، وَقِيل: إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيل: إِنَّهُ مُبَاحٌ (4) .
هَل الأَْصْل الْقَصْرُ أَوِ الإِْتْمَامُ؟
17 - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الأَْصْل هُوَ الإِْتْمَامُ وَأَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ: " صَدَقَةٌ
__________
(1) حديث عائشة رضي الله عنها: " فرضت. . . . . ". أخرجه البخاري (الفتح1 / 464 - ط. السلفية) ومسلم (1 / 478 - ط. الحلبي) واللفظ لمسلم.
(2) الاختيار لتعليل المختار 1 / 198 طبع مطابع الشعب بالقاهرة سنة 1386 هـ وفتح القدير 1 / 395.
(3) قول ابن عباس - رضي الله عنهما -: " إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم. . ". أخرجه مسلم (1 / 479 - ط. الحلبي) .
(4) بداية المجتهد 1 / 161، والشرح الكبير للدردير 1 / 358.
الصفحة 274