كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 27)

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمَا قَالاَ: إِذَا دَخَلْتَ بَلْدَةً وَأَنْتَ مُسَافِرٌ وَفِي عَزْمِكَ أَنْ تُقِيمَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْمِل الصَّلاَةَ، وَإِنْ كُنْتَ لاَ تَدْرِي مَتَى تَظْعَنُ فَاقْصُرْ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَهَذَا بَابٌ لاَ يُوصَل إِلَيْهِ بِالاِجْتِهَادِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقَادِيرِ، وَلاَ يُظَنُّ بِهِمَا التَّكَلُّمُ جُزَافًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا قَالاَهُ سَمَاعًا مِنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ، وَأَقَل مُدَّةِ الإِْقَامَةِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ صِحَاحٍ مَعَ وُجُوبِ عِشْرِينَ صَلاَةً فِي مُدَّةِ الإِْقَامَةِ، وَلاَ يُحْتَسَبُ مِنَ الأَْيَّامِ يَوْمُ الدُّخُول إِنْ دَخَل بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلاَ يَوْمُ الْخُرُوجِ إِنْ خَرَجَ فِي أَثْنَائِهِ.
وَلاَ بُدَّ مِنَ اجْتِمَاعِ الأَْمْرَيْنِ: الأَْرْبَعَةِ الأَْيَّامِ وَالْعِشْرِينَ صَلاَةً.
وَاعْتَبَرَ سَحْنُونٌ: الْعِشْرِينَ صَلاَةً فَقَطْ، ثُمَّ إِنَّ نِيَّةَ الإِْقَامَةِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي ابْتِدَاءِ السَّيْرِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي أَثْنَائِهِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي ابْتِدَاءِ السَّيْرِ، وَكَانَتِ الْمَسَافَةُ بَيْنَ النِّيَّةِ وَبَيْنَ مَحَل الإِْقَامَةِ مَسَافَةَ قَصْرٍ، قَصَرَ الصَّلاَةَ حَتَّى يَدْخُل مَحَل الإِْقَامَةِ بِالْفِعْل، وَإِلاَّ أَتَمَّ مِنْ حِينِ النِّيَّةِ، أَمَّا إِنْ كَانَتِ النِّيَّةُ فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ حَتَّى يَدْخُل مَحَل الإِْقَامَةِ بِالْفِعْل، وَلَوْ كَانَتِ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا دُونَ مَسَافَةِ
__________
(1) البدائع 1 / 97، 98.
الْقَصْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ نِيَّةِ الإِْقَامَةِ نِيَّةُ الْعَسْكَرِ بِمَحَل خَوْفٍ، فَإِنَّهَا لاَ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ.
وَإِذَا أَقَامَ بِمَحَلٍّ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ دُونَ أَنْ يَنْوِيَ الإِْقَامَةَ بِهِ، فَإِنَّ إِقَامَتَهُ بِهِ لاَ تَمْنَعُ الْقَصْرَ وَلَوْ أَقَامَ مُدَّةً طَوِيلَةً إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ سَيُقِيمُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فِي مَكَان عَادَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الإِْقَامَةَ؛ لأَِنَّ الْعِلْمَ بِالإِْقَامَةِ كَالنِّيَّةِ، بِخِلاَفِ الشَّكِّ فَإِنَّهُ لاَ يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ (1) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْمُسْتَقِل، وَلَوْ مُحَارِبًا إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ تَامَّةً بِلَيَالِيِهَا، أَوْ نَوَى الإِْقَامَةَ وَأَطْلَقَ بِمَوْضِعِ عَيْنِهِ، انْقَطَعَ سَفَرُهُ بِوُصُولِهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ سَوَاءٌ أَكَانَ مَقْصِدَهُ أَمْ فِي طَرِيقِهِ، أَوْ نَوَى بِمَوْضِعٍ وَصَل إِلَيْهِ إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ انْقَطَعَ سَفَرُهُ بِالنِّيَّةِ مَعَ مُكْثِهِ.
وَلَوْ أَقَامَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ بِلاَ نِيَّةٍ انْقَطَعَ سَفَرُهُ بِتَمَامِهَا؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْقَصْرَ بِشَرْطِ الضَّرْبِ فِي الأَْرْضِ، وَالْمُقِيمُ وَالْعَازِمُ عَلَى الإِْقَامَةِ غَيْرُ ضَارِبٍ فِي الأَْرْضِ. وَالسُّنَّةُ بَيَّنَتْ أَنَّ مَا دُونَ الأَْرْبَعِ لاَ يَقْطَعُ السَّفَرَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ
__________
(1) الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 364.

الصفحة 283