كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 27)

وَالْحَنَابِلَةُ مِنْ ذَلِكَ دَيْنَ الْكِتَابَةِ؛ لأَِنَّ الرِّبَا لاَ يَجْرِي بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ. وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ عَدَمَ الصِّحَّةِ: بِأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ الْمِقْدَارِ لِيَحْصُل الْحُلُول فِي الْبَاقِي، وَالصِّفَةُ بِانْفِرَادِهَا لاَ تُقَابَل بِعِوَضٍ؛ وَلأَِنَّ صِفَةَ الْحُلُول لاَ يَصِحُّ إِلْحَاقُهَا بِالْمُؤَجَّل، وَإِذَا لَمْ يَحْصُل مَا تَرَكَ مِنَ الْقَدْرِ لأَِجْلِهِ لَمْ يَصِحَّ التَّرْكُ. (1) وَوَجْهُ الْمَنْعِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ مَنْ عَجَّل مَا أُجِّل يُعَدُّ مُسَلِّفًا، فَقَدْ أَسْلَفَ الآْنَ خَمْسَمِائَةٍ لِيَقْتَضِيَ عِنْدَ الأَْجَل أَلْفًا مِنْ نَفْسِهِ.
(2) وَقَدْ عَلَّل الْحَنَفِيَّةُ الْمَنْعَ فِي غَيْرِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ: بِأَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل لاَ يَسْتَحِقُّ الْمُعَجَّل، فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَل اسْتِيفَاءً، فَصَارَ عِوَضًا، وَبَيْعُ خَمْسِمِائَةٍ بِأَلْفٍ لاَ يَجُوزُ. (3)
وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُعَجَّل لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا بِالْعَقْدِ حَتَّى يَكُونَ اسْتِيفَاؤُهُ اسْتِيفَاءً لِبَعْضِ حَقِّهِ، وَالتَّعْجِيل خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ لاَ مَحَالَةَ، فَيَكُونُ خَمْسَمِائَةٍ بِمُقَابَلَةِ خَمْسِمِائَةٍ مِثْلُهُ مِنَ
__________
(1) أسنى المطالب 2 / 216.
(2) البهجة للتسولي 1 / 221.
(3) تحفة الفقهاء 3 / 423.
الدَّيْنِ، وَالتَّعْجِيل فِي مُقَابَلَةِ الْبَاقِي، وَذَلِكَ اعْتِيَاضٌ عَنِ الأَْجَل، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ أَلاَ تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلاَّ مُقَابَلَةُ الْمَال بِالأَْجَل شُبْهَةً، فَلأََنْ تَكُونَ مُقَابَلَةُ الْمَال بِالأَْجَل حَقِيقَةً حَرَامًا أَوْلَى. (1)
الثَّانِي: جَوَازُ ذَلِكَ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، حَكَاهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ، (2) وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةُ. (3)
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: لأَِنَّ هَذَا عَكْسُ الرِّبَا، فَإِنَّ الرِّبَا يَتَضَمَّنُ الزِّيَادَةَ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فِي مُقَابَلَةِ الأَْجَل، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِنْ بَعْضِ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ سُقُوطِ الأَْجَل، فَسَقَطَ بَعْضُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ سُقُوطِ بَعْضِ الأَْجَل، فَانْتَفَعَ بِهِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَا رِبًا لاَ حَقِيقَةً وَلاَ لُغَةً وَلاَ عُرْفًا، فَإِنَّ الرِّبَا الزِّيَادَةُ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هَاهُنَا، وَاَلَّذِينَ حَرَّمُوا ذَلِكَ إِنَّمَا قَاسُوهُ عَلَى الرِّبَا، وَلاَ يَخْفَى الْفَرْقُ
__________
(1) العناية على الهداية (ط. الميمنية) 7 / 396، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه 5 / 42، شرح المجلة للأتاسي 4 / 564.
(2) المبدع 3 / 280.
(3) الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ص 134، أعلام الموقعين 3 / 371، أحكام القرآن للجصاص (ط. مصر بعناية محمد الصادق قمحاوي) 2 / 186.

الصفحة 332