كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 27)

سُنَنُ الصَّلاَةِ:
(أ) رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ:
57 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ (1) .
وَقَدْ نَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الرَّفْعِ.
58 - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، وَبِرُءُوسِ الأَْصَابِعِ فُرُوعَ أُذُنَيْهِ، وَيَسْتَقْبِل بِبُطُونِ كَفَّيْهِ الْقِبْلَةَ، وَيَنْشُرَ أَصَابِعَهُ وَيَرْفَعَهُمَا، فَإِذَا اسْتَقَرَّتَا فِي مَوْضِعِ مُحَاذَاةِ الإِْبْهَامَيْنِ شَحْمَتَيِ الأُْذُنَيْنِ يُكَبِّرُ؛ فَالرَّفْعُ يَكُونُ قَبْل التَّكْبِيرِ.
وَهَذَا فِي الرَّجُل، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تَرْفَعُ يَدَيْهَا حِذَاءَ الْمَنْكِبَيْنِ، قَالُوا: وَلاَ يُطَأْطِئُ الْمُصَلِّي رَأْسَهُ عِنْدَ التَّكْبِيرِ؛ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ.
وَلَوْ رَفَعَ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يَضُمُّ أَصَابِعَهُ كُل الضَّمِّ، وَلاَ يُفَرِّجُ كُل التَّفْرِيجِ بَل يَتْرُكُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَيْنَ الضَّمِّ وَالتَّفْرِيجِ.
وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ حَتَّى فَرَغَ
__________
(1) حديث ابن عمر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ". أخرجه البخاري (الفتح 2 / 218 - ط السلفية) .
مِنَ التَّكْبِيرِ لَمْ يَأْتِ بِهِ، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرِ رَفَعَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّفْعُ إِلَى الْمَوْضِعِ الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا قَدْرَ مَا يُمْكِنُ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ إِحْدَاهُمَا دُونَ الأُْخْرَى رَفَعَهَا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّفْعُ إِلاَّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا.
كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوِ اعْتَادَ الْمُصَلِّي تَرْكَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ، وَإِثْمُهُ لاَ لِنَفْسِ التَّرْكِ، بَل؛ لأَِنَّهُ اسْتِخْفَافٌ وَعَدَمُ مُبَالاَةٍ بِسُنَّةٍ وَاظَبَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّةَ عُمُرِهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الاِسْتِخْفَافُ بِمَعْنَى التَّهَاوُنِ وَعَدَمِ الْمُبَالاَةِ، لاَ بِمَعْنَى الاِسْتِهَانَةِ وَالاِحْتِقَارِ، وَإِلاَّ كَانَ كُفْرًا.
59 - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الإِْحْرَامِ، فَيُكْرَهُ رَفْعُهُمَا قَبْل التَّكْبِيرِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالرَّفْعُ يَكُونُ بِحَيْثُ تَكُونُ ظُهُورُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَبُطُونُهُمَا إِلَى الأَْرْضِ وَبِحَيْثُ يَنْتَهِي رَفْعُهُمَا إِلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيل: انْتِهَاؤُهَا إِلَى الصَّدْرِ، وَقِيل: يَرْفَعُهُمَا حَذْوَ الأُْذُنَيْنِ، وَهُمَا مُقَابِلاَنِ لِلْمَشْهُورِ.
وَتُسَمَّى صِفَةُ هَذَا الرَّفْعِ عِنْدَهُمْ صِفَةَ الرَّاهِبِ - وَهِيَ الْمَذْهَبُ - وَمُقَابِلُهُ صِفَتَانِ: صِفَةُ الرَّاغِبِ: وَهِيَ بِأَنْ يَجْعَل بُطُونَ يَدَيْهِ لِلسَّمَاءِ، وَصِفَةُ النَّابِذِ: وَهِيَ أَنْ يُحَاذِيَ بِكَفَّيْهِ مَنْكِبَيْهِ قَائِمَتَيْنِ وَرُءُوسَ أَصَابِعِهِمَا مِمَّا

الصفحة 84