كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 28)

وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَبَيَانُهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُمَارِسُونَ الصَّيْدَ فِي عَهْدِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُهُودِ أَصْحَابِهِ وَتَابِعِيهِمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَأَمَّا الْمَعْقُول: فَهُوَ أَنَّ الصَّيْدَ نَوْعُ اكْتِسَابٍ وَانْتِفَاعٍ بِمَا هُوَ مَخْلُوقٌ لِذَلِكَ، وَفِيهِ اسْتِيفَاءُ الْمُكَلَّفِ وَتَمْكِينُهُ مِنْ إِقَامَةِ التَّكَالِيفِ، فَكَانَ مُبَاحًا بِمَنْزِلَةِ الاِحْتِطَابِ (1) . وَبِهَذَا تَتَبَيَّنُ حِكْمَةَ مَشْرُوعِيَّتِهِ.
7 - وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الأَْصْل فِي الصَّيْدِ الإِْبَاحَةُ، فَلاَ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ إِلاَّ فِي صُوَرٍ خَاصَّةٍ بِأَدِلَّةٍ خَاصَّةٍ نَذْكُرُهَا فِيمَا يَلِي:
8 - أ - يَكُونُ الصَّيْدُ خِلاَفَ الأَْوْلَى إِذَا حَدَثَ لَيْلاً، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِخِلاَفِهِ، فَفِي الْمُغْنِي: قَال أَحْمَدُ: " لاَ بَأْسَ بِصَيْدِ اللَّيْل " (2) .
9 - ب - وَيُكْرَهُ الصَّيْدُ إِذَا كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ التَّلَهِّيَ وَالْعَبَثَ (3) ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا (4) . أَيْ هَدَفًا.
__________
(1) تبيين الحقائق للزيلعي 6 / 50.
(2) تنوير الأبصار بهامش ابن عابدين 5 / 306، نقلا عن الخانية، والمغني لابن قدامة مع الشرح الكبير 11 / 11.
(3) ابن عابدين نقلا عن مجمع الفتاوى 5 / 297، والشرح الكبير للدردير 2 / 108، ومطالب أولي النهى 6 / 340.
(4) حديث: " لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا ". أخرجه مسلم (3 / 1549) من حديث ابن عباس.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ صُوَرًا أُخْرَى لِلْكَرَاهَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ تَعْلِيمَ الْبَازِي بِالصُّيُودِ الْحَيَّةِ مَكْرُوهٌ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ (1) .
أَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ كَرَاهَةِ حِرْفَةِ الاِصْطِيَادِ عُمُومًا، فَقَدْ رَدَّهُ الْحَصْكَفِيُّ وَابْنُ عَابِدِينَ: وَقَالُوا: إِنَّ التَّحْقِيقَ إِبَاحَةُ اتِّخَاذِهِ حِرْفَةً، لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الاِكْتِسَابِ، وَكُل أَنْوَاعِ الْكَسْبِ فِي الإِْبَاحَةِ سَوَاءٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ - قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْكَسْبُ بِالرِّبَا وَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، وَلَمْ يَكُنْ بِطَرِيقٍ مَحْظُورٍ، فَلاَ يُذَمُّ بَعْضُهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَفْضَل مِنْ بَعْضٍ (2) .
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ الاِصْطِيَادُ فِي صُوَرٍ مِنْهَا:
أ - أَنْ يَكُونَ بِشَيْءٍ نَجِسٍ، كَالْعَذِرَةِ، وَالْمَيْتَةِ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ أَكْل الْمَصِيدِ لِلنَّجَاسَةِ.
ب - وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ بِبَنَاتِ وَرْدَانَ، لأَِنَّ مَأْوَاهَا الْحُشُوشُ (3) .
ج - وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ بِالضَّفَادِعِ، لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا.
__________
(1) الدر المختار على هامش ابن عابدين 5 / 306.
(2) حاشية ابن عابدين 5 / 297.
(3) بنات وردان مفرده بنت وردان، وهي دويبة نحو الخنفساء حمراء اللون، وأكثر ما تكون في الحمامات وفي الكنف، والحشوش بالضم (جمع حش بالضم والفتح وله معان منها الكنيف) (المعجم الوسيط مادتي " ورد، وحش ") .

الصفحة 115