كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 28)
وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَضْمِينِ مَنِ امْتَنَعَ عَنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُضْطَرِّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَيَرَى أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ كُل مَنْ رَأَى إِنْسَانًا فِي مَهْلَكَةٍ فَلَمْ يُنْجِهِ مِنْهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ، وَقَدْ أَسَاءَ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُهْلِكْهُ، وَلَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِي هَلاَكِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمُمْتَنِعَ مَعَ الْقُدْرَةِ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، لأَِنَّهُ لَمْ يُنْجِهِ مِنَ الْهَلاَكِ مَعَ إِمْكَانِهِ، فَيَضْمَنُهُ كَمَا لَوْ مَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ (1) .
وَالتَّفْصِيل فِي: (ضَمَانٌ) .
الْحَجْرُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ:
28 - يُحْجَرُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ الَّذِينَ تَكُونُ مَضَرَّتُهُمْ عَامَّةً، كَالطَّبِيبِ الْجَاهِل، وَالْمُفْتِي الْمَاجِنِ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ، لأَِنَّ الطَّبِيبَ الْجَاهِل يَسْقِي النَّاسَ فِي أَمْرَاضِهِمْ دَوَاءً مُخَالِفًا يُفْسِدُ أَبْدَانَهُمْ لِعَدَمِ عِلْمِهِ، وَمِثْلُهُ الْمُفْتِي الْمَاجِنُ وَهُوَ الَّذِي يُعَلِّمُ الْحِيَل الْبَاطِلَةَ، كَتَعْلِيمِ الْمَرْأَةِ الرِّدَّةَ لِتَبِينَ مِنْ زَوْجِهَا، أَوْ لِتَسْقُطَ عَنْهَا الزَّكَاةُ، ثُمَّ تُسْلِمَ، وَكَالَّذِي يُفْتِي عَنْ جَهْلٍ، وَكَذَا الْمُكَارِي الْمُفْلِسُ، لأَِنَّهُ يَأْخُذُ
__________
(1) المغني 8 / 834 - 835، والدسوقي 4 / 242 و 2 / 112، ومغني المحتاج 4 / 5، والاختيار 4 / 175، وبدائع الصنائع 7 / 234، 235.
الْكِرَاءَ أَوَّلاً لِيَشْتَرِيَ بِهَا الْجِمَال وَالظَّهْرَ وَيَدْفَعَهُ إِلَى بَعْضِ دُيُونِهِ مَثَلاً، فَإِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ مُضِرٌّ بِالْعَامَّةِ، الطَّبِيبُ الْجَاهِل يُهْلِكُ أَبْدَانَهُمْ، وَالْمُفْتِي الْمَاجِنُ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ أَدْيَانَهُمْ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسُ يُتْلِفُ أَمْوَالَهُمْ فَيُحْجَرُ عَلَى هَؤُلاَءِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْحَجْرِ الْمَنْعُ مِنْ إِجْرَاءِ الْعَمَل لاَ مَنْعُ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ، وَالْمَنْعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ بَابِ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ (1) .
(ر: حَجْرٌ ف 22) .
التَّفْرِيقُ لِضَرَرِ عَدَمِ الاِتِّفَاقِ.
29 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ فَالزَّوْجَةُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ صَبَرَتْ وَأَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ مَالِهَا أَوْ مِمَّا اقْتَرَضَتْهُ، وَإِنْ شَاءَتْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْقَاضِي وَطَلَبَتْ فَسْخَ نِكَاحِهَا (2) .
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرَبِيعَةُ وَحَمَّادٌ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ
__________
(1) شرح المجلة للآتاسي 3 / 522، المادة (964) ، وابن عابدين 5 / 93.
(2) الدسوقي 2 / 518، ومغني المحتاج 3 / 442، والمغني 7 / 573.
الصفحة 190