كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 28)

وَأَمَّا الأَْحَادِيثُ فَكَثِيرَةٌ مِنْهَا.
مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا بِهَا الْمَخْمَصَةُ فَمَتَى يَحِل لَنَا الْمَيْتَةُ؟ قَال: إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا، وَلَمْ تَغْتَبِقُوا، وَلَمْ تَحْتَفِئُوا، فَشَأْنُكُمْ بِهَا (1) .
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ أَهْل بَيْتٍ كَانُوا بِالْحَرَّةِ مُحْتَاجِينَ قَال: فَمَاتَتْ عِنْدَهُمْ نَاقَةٌ لَهُمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، فَرَخَّصَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَكْلِهَا، قَال: فَعَصَمَتْهُمْ بَقِيَّةَ شِتَائِهِمْ أَوْ سَنَتِهِمْ (2) .
وَقَدْ دَل الْحَدِيثَانِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَتَنَاوَل مِنَ الْمَيْتَةِ مَا يَكْفِيهِ.

8 - شُرُوطُ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ:
يُشْتَرَطُ لِلأَْخْذِ بِمُقْتَضَى الضَّرُورَةِ مَا يَلِي:
أ - أَنْ تَكُونَ الضَّرُورَةُ قَائِمَةً لاَ مُنْتَظَرَةً، وَتَظْهَرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ الْمَبْنِيَّةِ
__________
(1) حديث أبي واقد الليثي: " يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة ". أخرجه أمد (5 / 218) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4 / 165) : " رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح ". والمعنى: لم تجدوا ألبتة تصطحبونها، أو شربا تغتبقونه ولم تجدوا بعد عدم الصبوح والغبوق بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة. نيل الأوطار: (4 / 151 ط: دار القلم.) .
(2) نيل الأوطار (8 / 156، 158 الحلبي.) . وحديث جابر بن سمرة: " أن أهل بيت كانوا بالحرة ". أخرجه أحمد (5 / 87) .
عَلَى الرُّخَصِ مِنْهَا:
يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِتَحَقُّقِ الإِْكْرَاهِ خَوْفَ الْمُكْرَهِ إِيقَاعَ مَا هُدِّدَ بِهِ فِي الْحَال بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ (1) ، وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَقَوْل الْمُكْرِهِ " لأََقْتُلَنَّكَ غَدًا " لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ (2) .
قَال الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: لَوْ كَانَتِ الْحَاجَةُ غَيْرَ نَاجِزَةٍ فَهَل يَجُوزُ الأَْخْذُ لِمَا عَسَاهُ يَطْرَأُ؟ الظَّاهِرُ لاَ، كَاقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِمَا عَسَاهُ يَكُونُ مِنَ الزَّرْعِ وَنَحْوِهِ (3) .
يَقُول الشَّاطِبِيُّ: الصَّوَابُ الْوُقُوفُ مَعَ أَصْل الْعَزِيمَةِ، إِلاَّ فِي الْمَشَقَّةِ الْمُخِلَّةِ الْفَادِحَةِ فَإِنَّ الصَّبْرَ أَوْلَى، مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى دَخْلٍ فِي عَقْل الإِْنْسَانِ أَوْ دِينِهِ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنْ لاَ يَقْدِرَ عَلَى الصَّبْرِ، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَرُ بِالصَّبْرِ إِلاَّ مَنْ يُطِيقُهُ، فَأَنْتَ تَرَى بِالاِسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ الْفَادِحَةَ لاَ يَلْحَقُ بِهَا تَوَهُّمُهَا، بَل حُكْمُهَا أَخَفُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّوَهُّمَ غَيْرُ صَادِقٍ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْحْوَال فَإِذًا: لَيْسَتِ الْمَشَقَّةُ بِحَقِيقِيَّةٍ، وَالْمَشَقَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الْعِلَّةُ الْمَوْضُوعَةُ لِلرُّخْصَةِ فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ كَانَ الْحُكْمُ غَيْرَ لاَزِمٍ (4) .
ب - أَلاَّ يَكُونَ لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ وَسِيلَةٌ أُخْرَى إِلاَّ مُخَالَفَةُ الأَْوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الشَّرْعِيَّةِ قَال
__________
(1) الدر المختار 5 / 80، ومغني المحتاج 3 / 289.
(2) مغني المحتاج 3 / 290.
(3) حاشية عميرة 2 / 142.
(4) الموافقات 1 / 336.

الصفحة 194