كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 28)

اسْلُخْهَا حَتَّى نُقَدِّدَ شَحْمَهَا وَلَحْمَهَا وَنَأْكُلَهُ، فَقَال: حَتَّى أَسْأَل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَقَال: هَل عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟ قَال: لاَ، قَال: فَكُلُوهَا (1) وَلَمْ يُفَرِّقْ وَلأَِنَّ مَا جَازَ سَدُّ الرَّمَقِ مِنْهُ جَازَ الشِّبَعُ مِنْهُ كَالْمُبَاحِ، وَلأَِنَّ الضَّرُورَةَ تَرْفَعُ التَّحْرِيمَ فَيَعُودُ مُبَاحًا، وَمِقْدَارُ الضَّرُورَةِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَالَةِ عَدَمِ الْقُوتِ إِلَى حَالَةِ وُجُودِهِ حَتَّى يَجِدَ (2) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُحْتَمَل أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ مُسْتَمِرَّةً وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ مَرْجُوَّةَ الزَّوَال، فَمَا كَانَتْ مُسْتَمِرَّةً كَحَالَةِ الأَْعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَازَ الشِّبَعُ، لأَِنَّهُ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ عَادَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ عَنْ قُرْبٍ، وَلاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الْبُعْدِ مَخَافَةَ الضَّرُورَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَيُفْضِي إِلَى ضَعْفِ بَدَنِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَلَفِهِ، بِخِلاَفِ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَمِرَّةً فَإِنَّهُ يَرْجُو الْغِنَى عَنْهَا بِمَا يَحِل (3) .

ب - ذَبْحُ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُول لِلضَّرُورَةِ:
كُل حَيَوَانٍ حَيٍّ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي
__________
(1) حديث جابر بن سمرة: " أن رجلا نزل الحرة. . ". أخرجه أبو داود (4 / 166 - 167) .
(2) حاشية الدسوقي 2 / 115، وأحكام القرآن لابن العربي 1 / 55 - 56، ومغني المحتاج 4 / 307، والمغني 8 / 595.
(3) المغني 8 / 595.
لاَ تُؤْكَل يَحِل لِلْمُضْطَرِّ قَتْلُهُ بِذَبْحٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَبْحٍ، لِلتَّوَصُّل إِلَى أَكْلِهِ.
قَال الْجَصَّاصُ عِنْدَ تَفْسِيرِهِ لآِيَاتِ الضَّرُورَةِ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الضَّرُورَةَ فِي هَذِهِ الآْيَاتِ، وَأَطْلَقَ الإِْبَاحَةَ فِي بَعْضِهَا، لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلاَ صِفَةٍ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَقَدْ فَصَّل لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (1) فَاقْتَضَى ذَلِكَ وُجُودَ الإِْبَاحَةِ بِوُجُودِ الضَّرُورَةِ فِي كُل حَالٍ وُجِدَتِ الضَّرُورَةُ فِيهَا (2) .

ج - تَنَاوُل مَا حُرِّمَ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ:
تَنَاوُل مَا حُرِّمَ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا حُرِّمَ لِكَوْنِهِ يَقْتُل الإِْنْسَانَ إِذَا تَنَاوَلَهُ كَالسُّمُومِ، فَإِنَّهُ لاَ تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ، لأَِنَّ تَنَاوُلَهُ اسْتِعْجَالٌ لِلْمَوْتِ، وَقَتْلٌ لِلنَّفْسِ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
وَالآْخَرُ: مَا حُرِّمَ لِنَجَاسَتِهِ وَيُمَثِّل لَهُ الْفُقَهَاءُ بِالتِّرْيَاقِ الْمُشْتَمِل عَلَى خَمْرٍ وَلُحُومِ حَيَّاتٍ: (ر: سُمٌّ) .

د - شُرْبُ الْخَمْرِ لِضَرُورَةِ الْعَطَشِ وَالْغَصَصِ:
يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ شُرْبُ الْخَمْرِ إِنْ لَمْ يَجِدْ
__________
(1) سورة الأنعام / 119.
(2) أحكام القرآن للجصاص 1 / 147 ط. المطبعة البهية، والمجموع 1 / 43 - 44.

الصفحة 198