كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 28)
الاِضْطِرَارُ إِلَى الْكَذِبِ:
يَحِل الْكَذِبُ فِي أُمُورٍ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ، فَفِي حَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُول: لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُول خَيْرًا وَيُنْمِي خَيْرًا. (1)
قَال ابْنُ شِهَابٍ - أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ -: وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُول النَّاسُ كَذِبٌ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ: الْحَرْبُ وَالإِْصْلاَحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُل امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا.
قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْكَذِبَ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِيهِ وَيُثَابُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عَلَى قَدْرِ رُتْبَةِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ مِنَ الْوُجُوبِ فِي حِفْظِ الأَْمْوَال وَالأَْبْضَاعِ وَالأَْرْوَاحِ (2) .
الاِضْطِرَارُ إِلَى التَّقِيَّةِ:
تَجُوزُ التَّقِيَّةُ عِنْدَ الاِضْطِرَارِ إِلَيْهَا دَفْعًا لِتَلَفِ النَّفْسِ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ.
قَال السَّرَخْسِيُّ: لاَ بَأْسَ بِاسْتِعْمَال التَّقِيَّةِ
__________
(1) حديث أم كلثوم: " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس. ". أخرجه مسلم (4 / 2011) .
(2) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (1 / 96 - 97 ط. دار الكتب العلمية) .
وَإِنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ فِي تَرْكِ مَا هُوَ فَرْضٌ عِنْدَ خَوْفِ التَّلَفِ عَلَى نَفْسِهِ (1) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْعَمَل بِالتَّقِيَّةِ: (ر: تَقِيَّةٌ فِقْرَةُ 5) .
19 - الْقَوَاعِدُ الْفِقْهِيَّةُ النَّاظِمَةُ لأَِحْكَامِ الضَّرُورَةِ:
وَضَعَ الْفُقَهَاءُ مَجْمُوعَةً مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ لِضَبْطِ أَحْكَامِ الضَّرُورَةِ، وَتَوْضِيحِ مَعَالِمِهَا الْعَامَّةِ وَتَنْظِيمِ آثَارِهَا، وَأَهَمُّ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ هِيَ:
الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ (2) .
الأَْصْل فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوْله تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (3) وقَوْله تَعَالَى: {وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (4) وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَمِيعُ رُخَصِ الشَّرْعِ وَتَخْفِيفَاتِهِ.
هَذَا وَقَدْ خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا نُصَّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَعَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى (5) . قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: الْمَشَقَّةُ وَالْحَرَجُ إِنَّمَا يُعْتَبَرَانِ فِي مَوْضِعٍ لاَ نَصَّ فِيهِ، وَأَمَّا مَعَ
__________
(1) المبسوط 24 / 47، وتفسير القرطبي 4 / 57.
(2) غمز عيون البصائر 1 / 245 وما بعدها والأشباه للسيوطي ص 76 - 80.
(3) سورة البقرة / 185.
(4) سورة الحج / 78.
(5) شرح المجلة للآتاسي 1 / 50.
الصفحة 205