كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 28)
وَمِلْكُ يَمِينِهِ، فَمَتَى ثَبَّتَهُ عَلَى غَرِيمِهِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ يَسُرَ بَعْدَ إِعْدَامٍ، كَانَ حَقُّهُ جَدِيدًا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ فِي الآْخِرَةِ، وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الضَّيَاعِ كَانَ لَهُ دُونَ النَّاسِ، فَلاَ أَرَى مِلْكَهُ زَال عَنْهُ عَلَى حَالٍ، وَلَوْ كَانَ زَال عَنْهُ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ عِنْدَ الْوِجْدَانِ، فَكَيْفَ يَسْقُطُ حَقُّ اللَّهِ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَال، وَمِلْكُهُ لَمْ يَزُل عَنْهُ؟ ، أَمْ كَيْفَ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَالِكٍ لَهُ (1) ؟ .
الْقَوْل الثَّانِي:
14 - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - وَالشَّافِعِيُّ - فِي الْقَدِيمِ - وَاللَّيْثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقُ، وَقَتَادَةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمَال الضِّمَارِ، وَيَسْتَقْبِل مَالِكُهُ حَوْلاً مُسْتَأْنَفًا مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ (2) ، وَنَقَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الإِْمَامِ مَالِكٍ (3) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ:
(أَوَّلاً) بِقَوْل الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ
__________
(1) الأموال لأبي عبيد ص 594، وانظر الأموال لابن زنجويه 3 / 962.
(2) البحر الرائق 2 / 222، مجمع الأنهر 194، الفتاوى الهندية 1 / 174، بدائع الصنائع 2 / 9، شرح الوقاية لصدر الشريعة 1 / 98، الهداية مع فتح القدير والعناية والكفاية 2 / 121، المغني لابن قدامة 2 / 46، 48، المهذب 1 / 149، المجموع للنووي 5 / 341، الإشراف للقاضي عبد الوهاب 1 / 166.
(3) الزرقاني على الموطأ 2 / 106، المقدمات الممهدات ص 229.
عَنْهُمْ، حَيْثُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: لاَ زَكَاةَ فِي مَال الضِّمَارِ (1) .
(ثَانِيًا) بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَال: الْمِلْكَ التَّامَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ فِيهِ، إِذْ هُوَ مَمْلُوكٌ رَقَبَةً لاَ يَدًا، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ يَدِهِ، وَتَصَرُّفِهِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ، كَالْمَال الَّذِي فِي يَدِ مُكَاتَبِهِ (2) .
(ثَالِثًا) وَبِأَنَّ الْمَال الضِّمَارَ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ، لِعَدَمِ وُصُول يَدِهِ إِلَيْهِ، وَالْمَال إِذَا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ لاَ يَكُونُ الْمَالِكُ بِهِ غَنِيًّا، وَلاَ زَكَاةَ عَلَى غَيْرِ الْغَنِيِّ لِلْحَدِيثِ (3) .
(رَابِعًا) وَلأَِنَّ السَّبَبَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ هُوَ الْمَال النَّامِي، وَلاَ نَمَاءَ إِلاَّ بِالْقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ، وَلاَ قُدْرَةَ عَلَيْهِ فِي الضِّمَارِ، فَلاَ زَكَاةَ، قَال الْعَيْنِيُّ: وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّمَاءَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ النَّمَاءُ تَحْقِيقًا كَمَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، أَوْ تَقْدِيرًا كَمَا فِي النَّقْدَيْنِ، وَالْمَال الَّذِي لاَ يُرْجَى عَوْدُهُ لاَ يُتَصَوَّرُ تَحَقُّقُ الاِسْتِنْمَاءِ فِيهِ، فَلاَ يُقَدَّرُ الاِسْتِنْمَاءُ - أَيْضًا (4) -
__________
(1) قال الحافظ ابن حجر في (الدراية) (1 / 249) لم أجده عن علي ا. هـ. وقال العيني في البناية (3 / 26) : وقال الزيلعي: هذا غريب. قلت: أراد أنه لم يثبت مطلقا.
(2) انظر المهذب للشيرازي 1 / 149.
(3) بدائع الصنائع 2 / 9.
(4) البناية على الهداية 3 / 26.
الصفحة 217