كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 28)
(خَامِسًا) وَلأَِنَّ السَّبَبَ هُوَ الْمَال النَّامِي تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا بِالاِتِّفَاقِ، لِلاِتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ مَا تُسَاوِي آلاَفًا مِنَ الدَّنَانِيرِ وَلَمْ يَنْوِ فِيهَا التِّجَارَةَ، لاَ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ. وَوِلاَيَةُ إِثْبَاتِ حَقِيقَةِ التِّجَارَةِ بِالْيَدِ، فَإِذَا فَاتَتِ انْتَفَى تَصَوُّرُ الاِسْتِنْمَاءِ تَحْقِيقًا، فَانْتَفَى تَقْدِيرًا، لأَِنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُقَدَّرُ تَقْدِيرًا إِذَا تُصُوِّرَ تَحْقِيقًا، وَعَلَى هَذَا انْتَفَى فِي النَّقْدَيْنِ - أَيْضًا - لاِنْتِفَاءِ نَمَائِهِمَا التَّقْدِيرِيِّ بِانْتِفَاءِ تَصَوُّرِ التَّحْقِيقِيِّ بِانْتِفَاءِ الْيَدِ، فَصَارَ بِانْتِفَائِهِمَا كَالتَّاوِي، فَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَنِ الآْبِقِ، وَإِنَّمَا جَازَ عِتْقُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ تَعْتَمِدُ مُجَرَّدَ الْمِلْكِ، وَبِالإِْبَاقِ وَالْكِتَابَةِ لاَ يُنْتَقَصُ الْمِلْكُ أَصْلاً، بِخِلاَفِ مَال ابْنِ السَّبِيل لِثُبُوتِ التَّقْدِيرِيِّ فِيهِ، لإِِمْكَانِ التَّحْقِيقِيِّ إِذَا وَجَدَ نَائِبًا (1) .
الْقَوْل الثَّالِثُ:
15 - ذَهَبَ مَالِكٌ - فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ - وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِلَى أَنَّ عَلَى مَالِكِهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا قَبَضَهُ (2) .
__________
(1) فتح القدير (الميمينة 1319 هـ) 2 / 123.
(2) الإشراف للقاضي عبد الوهاب 1 / 166، منح الجليل 1 / 356، شرح الزرقاني على خليل 2 / 158، المقدمات الممهدات لابن رشد ص 229، المنتقى للباجي 2 / 113، القوانين الفقهية ص 110 (ط. الدار العربية للكتاب) شرح الموطأ للزرقاني 2 / 106، المغني 3 / 47، الأموال لأبي عبيد ص 590، الأموال لابن زنجويه 3 / 956، المصنف لابن أبي شيبة 3 / 202.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ:
(أَوَّلاً) بِمَا رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي الأَْمْوَال، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي مَالٍ قَبَضَهُ بَعْضُ الْوُلاَةِ ظُلْمًا، يَأْمُرُهُ بِرَدِّهِ إِلَى أَهْلِهِ، وَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ، ثُمَّ عَقَّبَ بَعْدَ ذَلِكَ بِكِتَابٍ أَنْ لاَ يُؤْخَذَ مِنْهُ إِلاَّ زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ كَانَ ضِمَارًا (1) .
قَال الْبَاجِيُّ: قَوْلُهُ أَوَّلاً أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَلَمْ يَزُل عَنْهُ، كَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً عِنْدَهُ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُ لِسَائِرِ الأَْعْوَامِ، ثُمَّ نَظَرَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَرَأَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْعَيْنِ، بِأَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ تَنْمِيَتِهِ، وَلاَ يَكُونُ فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَهَذَا مَالٌ قَدْ زَال عَنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ غَيْرِهِ، وَمَنَعَ هَذَا عَنْ تَنْمِيَتِهِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ غَيْرُ زَكَاةٍ وَاحِدَةٍ (2) .
(ثَانِيًا) قَال الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَدَلِيلُنَا عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةَ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنَّهُ حَصَل فِي يَدِهِ فِي طَرَفِ الْحَوْل عَيْنُ نِصَابٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَلاَ يُرَاعَى تَضَاعِيفُ الْحَوْل،
__________
(1) انظر الموطأ مع المنتقى 2 / 113، مصنف ابن أبي شيبة 3 / 202، الأموال لأبي عبيد ص 590، الأموال لابن زنجويه 3 / 957.
(2) المنتقى للباجي 2 / 113.
الصفحة 218