كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 28)
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَل، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ (1) قَوْلُهُ " فَلْيُصَل " أَيْ فَلْيَدْعُ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: ثَبَتَ هَذَا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَوْ كَانَ الْفِطْرُ جَائِزًا لَكَانَ الأَْفْضَل الْفِطْرَ، لإِِجَابَةِ الدَّعْوَةِ الَّتِي هِيَ السُّنَّةُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ لُزُومِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الصَّائِمِ تَطَوُّعًا إِتْمَامُهُ إِذَا بَدَأَ فِيهِ، وَلَهُ قَطْعُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ (2) ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَال: أَرِنِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فَأَكَل، وَزَادَ النَّسَائِيُّ إِنَّمَا مِثْل صَوْمِ التَّطَوُّعِ مِثْل الرَّجُل يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا (3) . وَلِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِينُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ (4) .
__________
(1) حديث: " إذا دعي أحدكم فليجب. . . ". أخرجه مسلم (2 / 1054) من حديث أبي هريرة.
(2) تبيين الحقائق 1 / 337، حاشية الدسوقي 1 / 527، مغني المحتاج 1 / 448، كشاف القناع 2 / 343.
(3) حديث عائشة: " يا رسول الله. أهدي لنا حيس. . . ". أخرجه مسلم (2 / 809) ، وزيادة النسائي هي في سننه (4 / 193 - 194) .
(4) حديث: " الصائم المتطوع أمين نفسه. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 100) والبيهقي (4 / 276) وقال ابن التركماني في هامش سنن البيهقي (4 / 278) : " هذا الحديث مضطرب إسنادا ومتنا ".
إِفْسَادُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ:
19 - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِحُرْمَةِ إِفْسَادِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ، حَيْثُ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ مَا نَصُّهُ: ذَكَرَ الرَّازِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الإِْفْطَارَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ لاَ يَحِل، هَكَذَا فِي الْكَافِي.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ قَطْعِهِ بِلاَ عُذْرٍ، وَاسْتِحْبَابِ إِتْمَامِهِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (1) ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَ إِتْمَامَهُ.
وَمِنَ الأَْعْذَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِ الْفِطْرِ: الْحَلِفُ عَلَى الصَّائِمِ بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ إِنْ لَمْ يُفْطِرْ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، بَل نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى نَدْبِ الْفِطْرِ دَفْعًا لِتَأَذِّي أَخِيهِ الْمُسْلِمِ. لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَيَّدُوا جَوَازَ الْفِطْرِ إِلَى مَا قَبْل نِصْفِ النَّهَارِ، أَمَّا بَعْدَهُ فَلاَ يَجُوزُ.
وَكَذَلِكَ مِنَ الأَْعْذَارِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الضِّيَافَةُ لِلضَّيْفِ وَالْمُضِيفِ إِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مِمَّنْ لاَ يَرْضَى بِمُجَرَّدِ الْحُضُورِ، وَكَانَ الصَّائِمُ يَتَأَذَّى بِتَرْكِ الإِْفْطَارِ، شَرِيطَةَ أَنْ يَثِقَ بِنَفْسِهِ بِالْقَضَاءِ، وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ جَوَازَ الْفِطْرِ بِالْحَلِفِ بِالطَّلاَقِ بِتَعَلُّقِ قَلْبِ الْحَالِفِ بِمَنْ حَلَفَ
__________
(1) سورة محمد: 33.
الصفحة 97