كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)

قَال الدُّسُوقِيُّ: لأَِنَّ النَّجَاسَةَ لاَ تُزَال إِلاَّ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَلَيْسَ حَاصِلاً، وَحِينَئِذٍ فَيَسْتَمِرُّ بَقَاءُ النَّجَاسَةِ.
وَمَحَل الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ الَّذِي زَال تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَزْحِ بَعْضِهِ، أَمَّا الْقَلِيل فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى تَنَجُّسِهِ بِلاَ خِلاَفٍ.
كَمَا يَطْهُرُ الْمَاءُ النَّجِسُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَوْ زَال تَغَيُّرُهُ بِإِضَافَةِ طَاهِرٍ، وَبِإِلْقَاءِ طِينٍ أَوْ تُرَابٍ إِنْ زَال أَثَرُهُمَا، أَيْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ أَوْصَافِهِمَا فِيمَا أُلْقِيَا فِيهِ، أَمَّا إِنْ وُجِدَ فَلاَ يَطْهُرُ، لاِحْتِمَال بَقَاءِ النَّجَاسَةِ مَعَ بَقَاءِ أَثَرِهِمَا (1) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّ الْمَاءَ إِنْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لاَ يَنْجُسُ إِلاَّ إِذَا غَيَّرَتْهُ النَّجَاسَةُ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ (2) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمَاءَ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ (3) وَتَطْهِيرُهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِزَوَال التَّغَيُّرِ، سَوَاءٌ زَال التَّغَيُّرُ بِنَفْسِهِ: كَأَنْ زَال بِطُول الْمُكْثِ، أَوْ بِإِضَافَةِ مَاءٍ إِلَيْهِ.
قَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَهَذَا فِي التَّغَيُّرِ الْحِسِّيِّ،
__________
(1) الفتاوى الهندية 1 / 18، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 46، 47.
(2) حديث: " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. . . ". أخرجه الدارقطني (1 / 21) والحاكم (1 / 132) من حديث ابن عمر واللفظ للدارقطني، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(3) حديث: " لا ينجسه شيء. . . ". تقدم تخريجه ف 12.
وَأَمَّا التَّقْدِيرِيُّ: كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجِسٌ لاَ وَصْفَ لَهُ فَيُقَدَّرُ مُخَالِفًا أَشَدَّ، كَلَوْنِ الْحِبْرِ وَطَعْمِ الْخَل وَرِيحِ الْمِسْكِ، فَإِنْ غَيَّرَهُ فَنَجِسٌ، وَيُعْتَبَرُ الْوَصْفُ الْمُوَافِقُ لِلْوَاقِعِ، وَيُعْرَفُ زَوَال التَّغَيُّرِ مِنْهُ بِزَوَال نَظِيرِهِ مِنْ مَاءٍ آخَرَ، أَوْ بِضَمِّ مَاءٍ إِلَيْهِ لَوْ ضُمَّ لِلْمُتَغَيِّرِ حِسًّا لَزَال، أَوْ بَقِيَ زَمَنًا ذَكَرَ أَهْل الْخِبْرَةِ أَنَّهُ يَزُول بِهِ الْحِسِّيُّ.
وَلاَ يَطْهُرُ الْمَاءُ إِنْ زَال التَّغَيُّرُ بِمِسْكٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ أَوْ خَلٍّ، لِلشَّكِّ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ زَال أَوِ اسْتَتَرَ، وَالظَّاهِرُ الاِسْتِتَارُ، مِثْل ذَلِكَ زَوَال التَّغَيُّرِ بِالتُّرَابِ وَالْجِصِّ.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ نُزِحَ مِنَ الْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ الْكَثِيرُ، وَبَقِيَ بَعْدَ الْمَنْزُوحِ كَثِيرٌ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ لِزَوَال عِلَّةِ تَنَجُّسِهِ، وَهِيَ التَّغَيُّرُ. وَكَذَا الْمَنْزُوحُ الَّذِي زَال مَعَ نَزْحِهِ التَّغَيُّرُ طَهُورٌ إِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يَنْجُسُ بِمُلاَقَاةِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، وَتَطْهِيرُهُ يَكُونُ بِإِضَافَةِ الْمَاءِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْقُلَّتَيْنِ وَلاَ تُغَيَّرُ بِهِ وَلَوْ كُوثِرَ بِإِيرَادِ طَهُورٍ فَلَمْ يَبْلُغْ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَطْهُرْ (1) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مِيَاه) .
__________
(1) القليوبي وعميرة على شرح المحلي 1 / 21، 22، الروض المربع 1 / 11، 13، كشاف القناع 1 / 41، 42.

الصفحة 103