كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)

الْمُسْلِمُونَ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ، فَالظَّاهِرُ مِنْ أَوَانِيهِمْ وَثِيَابِهِمُ النَّجَاسَةُ (1) .
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ اسْتِعْمَال أَوَانِيهِمْ إِلاَّ إِذَا تَيَقَّنَ عَدَمَ طَهَارَتِهَا، وَصَرَّحَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَصْنَعُهُ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لاَ يُصَلُّونَ وَلاَ يَسْتَنْجُونَ وَلاَ يَتَحَرَّزُونَ مِنَ النَّجَاسَاتِ مِنَ الأَْطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةَ، فَإِذَا تَنَجَّسَتْ أَوَانِيهِمْ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ بِزَوَال تِلْكَ النَّجَاسَةِ بِالْغَسْل بِالْمَاءِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَهُ صِفَةُ الطَّهُورِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ الْحَال بِالنِّسْبَةِ لِمَلاَبِسِهِمْ، فَإِنَّ الأَْصْل فِيهَا الطَّهَارَةُ مَا لَمْ يُصِبْهَا النَّجِسُ، وَلِذَا لاَ يُصَلَّى فِي مَلاَبِسِهِمْ أَيْ مَا يَلْبَسُونَهُ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ نَجَاسَتُهَا، فَحُمِل عَلَيْهَا عِنْدَ الشَّكِّ: أَمَّا إِنْ عُلِمَتْ أَوْ ظُنَّتْ طَهَارَتُهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى فِيهَا (2) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ فِي ثِيَابِهِمْ وَأَوَانِيهِمْ: إِنَّهَا طَاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الاِسْتِعْمَال مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا، وَأَضَافُوا: إِنَّ الْكُفَّارَ عَلَى ضَرْبَيْنِ - أَهْل الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ - فَأَمَّا أَهْل الْكِتَابِ فَيُبَاحُ أَكْل طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ وَاسْتِعْمَال آنِيَتِهِمْ مَا لَمْ
__________
(1) المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 19 - 20، الإقناع للشربيني الخطيب 1 / 36.
(2) الشرح الكبير 1 / 61، جواهر الإكليل 1 / 10.
تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا، قَال ابْنُ عَقِيلٍ: لاَ تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ اسْتِعْمَال أَوَانِيهِمْ، لِقَوْل اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (1) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَال فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ لاَ أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا. قَال: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَبَسِّمًا (2) .
وَرَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ (3) ، وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ.
وَأَمَّا غَيْرُ أَهْل الْكِتَابِ - وَهُمُ الْمَجُوس وَعَبَدَةُ الأَْوْثَانِ وَنَحْوُهُمْ - وَمَنْ يَأْكُل لَحْمَ الْخِنْزِيرِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ فِي مَوْضِعٍ يُمْكِنُهُمْ أَكْلُهُ، أَوْ يَأْكُل الْمَيْتَةَ، أَوْ يَذْبَحُ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ فَحُكْمُ ثِيَابِهِمْ حُكْمُ ثِيَابِ أَهْل الذِّمَّةِ عَمَلاً بِالأَْصْل، وَأَمَّا أَوَانِيهِمْ فَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: حُكْمُهَا حُكْمُ أَوَانِي أَهْل الْكِتَابِ، يُبَاحُ اسْتِعْمَالُهَا مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نَجَاسَتُهَا، لأَِنَّ النَّبِيَّ
__________
(1) سورة المائدة / 5.
(2) حديث عبد الله بن مغفل: " أصبت جرابا من شحم يوم خيبر " أخرجه مسلم (3 / 1393) .
(3) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أضافه يهودي. . . ". أخرجه أحمد (3 / 270) بلفظ: " أن يهوديًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه ".

الصفحة 114